لم يعد الجدل حول المنصات محصوراً في القصص التي تعرضها، بل وصل إلى شكل الصورة نفسها. في السنوات الأخيرة، بدأ مشاهدون وصناع أفلام يستخدمون عبارة جديدة لوصف إحساس بصري متكرر في كثير من أعمال البث: "Netflix Lighting" أو "إضاءة نتفليكس".
المقصود ليس تقنية رسمية اخترعتها نتفليكس، ولا قاعدة مكتوبة تلتزم بها كل المسلسلات. إنها تسمية شعبية لأسلوب بصري صار مألوفاً في كثير من الإنتاجات الرقمية: إضاءة ناعمة، ظلال قليلة، تباين منخفض، وجوه واضحة دائماً، وصورة “نظيفة” إلى درجة أن بعض المشاهدين يصفونها بأنها مسطحة أو بلا روح.
بحسب المنصة الرائدة لنقد الأفلام والمسلسلات "نو فلم سكول"، ظهر النقاش بقوة مع أعمال مثل "سترينجر ثنقز"، حيث لاحظ بعض المتابعين أن الصورة تبدو أحياناً مضاءة أكثر مما ينبغي، وكأن كل زاوية في المشهد يجب أن تكون مرئية بوضوح. هذا لا يعني أن العمل بلا جهد بصري، بل يكشف تحوّلاً أوسع في طريقة صناعة الصورة لعصر المنصات.
في السينما التقليدية، كانت العتمة جزءاً من اللغة. الظل لا يخفي التفاصيل فقط، بل يصنع التوتر والغموض والعمق. وجه نصفه مضاء ونصفه غارق في الظلام يمكن أن يقول عن الشخصية أكثر مما تقوله جملة حوارية. أما في كثير من إنتاجات البث الحديثة، فالصورة تميل إلى أن تكون أكثر أماناً: كل شيء واضح، كل وجه مقروء، وكل مشهد صالح للعرض على شاشة تلفزيون كبيرة أو هاتف صغير أو جهاز لوحي في غرفة مضاءة.
"إضاءة نتفليكس" ليست مجرد ذوق جمالي، بل نتيجة لاقتصاد مشاهدة جديد. الجمهور لا يشاهد دائماً في صالة مظلمة كما في السينما. هناك من يشاهد على الهاتف في المترو، أو على اللابتوب في غرفة مضاءة، أو على التلفزيون بينما يتصفح هاتفه. لذلك صارت الصورة مطالبة بأن تكون مفهومة بسرعة، حتى في أسوأ ظروف المشاهدة.
هذا يفسر لماذا تميل المنصات إلى الصور ذات الإضاءة المتوازنة والتفاصيل الواضحة. الظلال العميقة قد تكون جميلة في قاعة سينما، لكنها قد تضيع على شاشة صغيرة أو في ضغط البث أو مع ضعف إعدادات الشاشة. لذلك تصبح الإضاءة "المسطحة" أو ذات بُعد واحد حلاً عملياً: أقل مخاطرة، أكثر وضوحاً، وأسهل في الانتقال بين الأجهزة.
لكن هذا الحل العملي يأتي بكلفة فنية. عندما تضيء كل شيء، قد تفقد الصورة سرّها. وعندما تقلل التباين، قد تقلل الإحساس بالمكان. وعندما تجعل كل مشهد مقروءاً فوراً، قد تحرم العين من متعة الاكتشاف. لهذا يشعر بعض المشاهدين أن كثيراً من الأعمال الحديثة تبدو متشابهة، حتى لو اختلفت قصصها وشخصياتها.
المشكلة ليست في أن الإضاءة الناعمة سيئة دائماً. على العكس، قد تكون خياراً جمالياً ناجحاً في أعمال كثيرة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الوضوح إلى معيار وحيد، وحين تصبح الصورة مصممة أولاً لتكون "مناسبة للمنصة" لا مناسبة للحكاية. فمشهد رعب لا يحتاج إلى الإضاءة نفسها التي يحتاجها مسلسل عائلي، ومشهد غموض لا ينبغي أن يبدو مثل إعلان تجاري.
اللافت أن مصطلح "إضاءة نتفليكس" صار أيضاً جزءاً من نقد أوسع لما يحدث للسينما والتلفزيون في عصر الخوارزميات. فالمنصات لا تغيّر فقط ما نشاهده، بل كيف يبدو ما نشاهده. الصورة تُصنع أحياناً لتقاوم التشويش، وتناسب مختلف الشاشات، وتبقى واضحة في اللقطات الترويجية، وتعمل جيداً في المقاطع القصيرة المتداولة على وسائل التواصل.
لهذا تبدو بعض الأعمال وكأنها فقدت جرأة الظل. في الماضي، كان المخرج والمصور يثقان بأن المشاهد سيجلس وينتبه، وأن العتمة جزء من التجربة. اليوم، كثير من الصور تبدو كأنها تخشى أن يضيع المشاهد للحظة، أو أن يترك الحلقة إذا لم يفهم كل شيء فوراً.
ومع ذلك، ليس من العدل اختزال الأمر في اتهام واحد: "المنصات أفسدت الصورة". فالتكنولوجيا الرقمية منحت صناع الأفلام حرية هائلة، وفتحت المجال أمام إنتاجات ضخمة ومتنوعة. كما أن كثيراً من أعمال المنصات لا تزال تملك هوية بصرية قوية. لكن "إضاءة نتفليكس" تذكّرنا بأن كل تطور تقني يحمل معه ذوقاً جديداً، وأن هذا الذوق قد يتحول مع الوقت إلى قالب مكرر.
في النهاية، السؤال ليس: هل إضاءة نتفليكس جيدة أم سيئة؟ السؤال الأهم: هل تخدم القصة؟ إذا كان الوضوح ضرورياً، فليكن. وإذا كان الظل جزءاً من المعنى، فلا يجب التضحية به من أجل صورة آمنة. لأن السينما، في جوهرها، ليست فقط ما نراه بوضوح، بل أيضاً ما يتركه الضوء ناقصاً، وما يسمح للظلام أن يقوله.
