جيل الإنترنت يوقظ السينما

لم يكن جيل Z، كما ظن كثيرون، جيلاً ضائعاً في الشاشات الصغيرة، ولا أسيراً كاملاً للتيك توك والبث السريع. كان فقط ينتظر فيلماً يشبهه، وطقساً يخصه، وتجربة لا يشعر معها أن السينما بقايا عادة قديمة. وحين وُجدت تلك التجربة، عاد إلى القاعات لا كضيف عابر، بل كقوة قادرة على تغيير اتجاه شباك التذاكر.

عودة الجمهور

تقول الأرقام إن الحكاية أكبر من انطباع عابر. فبحسب تقرير "Cinema United" عن قوة العروض السينمائية في 2025، زادت وتيرة حضور جيل Z إلى دور السينما بنسبة 25% خلال عام واحد، وهي أكبر زيادة بين الفئات العمرية.

ووفقاً لـ "TheWrap"، بلغ متوسط حضور جيل Z إلى السينما 6.1 مرات سنوياً، بعدما كان 4.9 مرات في العام السابق. كما أن 41% من جمهور هذا الجيل ذهبوا إلى السينما ست مرات أو أكثر، مقارنة بـ31% سابقاً. هذه ليست عودة خجولة، بل عادة تتشكل من جديد.

جيل مواظب

كانت الفكرة السائدة أن جمهور الشباب هجر القاعة إلى الأبد، وأنه اكتفى بالهاتف، والمنصة، والمقاطع القصيرة، غير أن الأرقام تكشف شيئاً آخر: جيل Z لا يرفض السينما، بل يرفض السينما التي لا تمنحه سبباً للخروج من البيت. هو لا يذهب لأي فيلم، ولا يشتري التذكرة بدافع الملل كما كان يحدث في زمن المراكز التجارية القديمة. إنه يذهب عندما يشعر أن الفيلم حدث، وأن المشاهدة جزء من حوار جماعي، وأن القاعة تمنحه شيئاً لا تمنحه الشاشة الفردية.

طقس اجتماعي

وكشفت دراسة "Fandango" لاتجاهات الذهاب إلى السينما في 2025، لا يرى جيل Z القاعة كمكان لمشاهدة فيلم فقط، بل كمناسبة اجتماعية. فبينما قال 44% من عموم المشاركين إنهم يذهبون إلى السينما هرباً من الروتين اليومي.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة. الجيل الأكثر التصاقاً بالشاشة الصغيرة هو أيضاً الجيل الذي يعيد اكتشاف متعة الجلوس في الظلام مع آخرين. كأنه تعب من الفرجة المنفردة، ومن التعليق السريع، ومن مشاهدة كل شيء وحده، فعاد يبحث عن الضحكة الجماعية، والصرخة المشتركة، واللحظة التي يلتفت فيها الناس إلى بعضهم بعد انتهاء الفيلم وكأنهم خرجوا من حلم واحد.

منصة التسويق

تقول "فاندانقو" أيضاً إن وسائل التواصل أصبحت مدخل الجمهور إلى الأفلام، وإن يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام من أهم مصادر اكتشاف الأفلام عموماً، بينما كان تيك توك المنصة الأكثر تأثيراً لدى جيل Z وهذا يفسر جانباً من التحول: الفيلم لم يعد يبدأ عند شباك التذاكر، بل يبدأ قبل ذلك بأيام أو أسابيع، في مقطع قصير، أو نقاش، أو ميم، أو مراجعة عفوية، أو مشهد يتداوله الجمهور حتى يتحول إلى دعوة مفتوحة.

جيل Z لا يكتفي بمشاهدة الإعلان الرسمي. هو يريد أن يرى كيف تفاعل الناس، ماذا قالوا بعد الخروج، ما اللحظة التي صرخوا عندها، وما العبارة التي تحولت إلى نكتة داخلية. لذلك أصبحت الدعاية، في بعض الأحيان، أقل شبهاً بالحملة المنظمة، وأكثر شبهاً بعدوى ثقافية تنتقل بين الأصدقاء.

قاعات جديدة

ولم تكن دور العرض بعيدة عن هذا التحول. فتشير بيانات "سينما يونايتد"، ان قطاع دور السينما في أمريكا الشمالية استثمر أكثر من 1.5 مليار دولار في تطوير القاعات خلال عام واحد، كما ارتفعت عضويات برامج الولاء بنسبة 15%، ووصل عدد أعضاء هذه البرامج إلى 136 مليوناً. هذه الأرقام تقول إن القاعة نفسها تحاول أن تتغير: مقاعد أفضل، صوت أقوى، صور أضخم، أطعمة أكثر تنوعاً، وتجربة أقرب إلى الخروج الاجتماعي منها إلى المشاهدة البسيطة.

ولذلك لا يعود جيل Z إلى السينما لأنها عادة قديمة، بل لأنها أصبحت حين تُحسن تقديم نفسها تجربة نادرة في زمن الوفرة الرقمية. في البيت يستطيع أن يشاهد كل شيء، لكنه في القاعة يشعر أنه حضر شيئاً لا يمكن إعادته بالطريقة نفسها.

درس هوليوود

الدرس الذي ينبغي لهوليوود أن تسمعه جيداً أن جيل Z لا يعادي السينما، بل يعادي التكرار. لا يرفض القاعة، بل يرفض أن يدفع ثمن تجربة باردة. لا ينفر من الأفلام الطويلة أو الصعبة كما يقال أحياناً، لكنه يريد أن يشعر بأن الفيلم يستحق وقته، وأن هناك طاقة اجتماعية حوله، وأن خروجه إلى القاعة جزء من حدث لا مجرد استهلاك.

هذا الجيل يمكن أن يذهب إلى فيلم رعب مولود من يوتيوب، أو أنمي يملك قاعدة جماهيرية واسعة، أو لعبة تحولت إلى فيلم، أو عمل فني كبير يفرض نفسه بالنقاش. هو جيل واسع الذائقة، لكنه شديد الحساسية للزيف. يعرف متى تحاول الصناعة مخاطبته بلهجة مصطنعة، ويعرف متى يكون الفيلم صادراً من عالمه فعلاً.