تتجه أنظار العالم مجدداً إلى الريفييرا الفرنسية مع انطلاق فعاليات مهرجان كان السينمائي غداً، الحدث الذي لم يعد مجرد احتفال بالفن السابع، بل منصة عالمية تتقاطع فيها الثقافة مع الاقتصاد، والسياسة مع السرد البصري، في لحظة دولية تتسم بتسارع الأزمات وتعدد الروايات.
ورغم الصورة البراقة للسجادة الحمراء، يمثل مهرجان كان أحد أهم المحركات الاقتصادية في صناعة السينما العالمية، فبالتوازي مع العروض الرسمية، يُقام “سوق الفيلم” (Marché du Film)، الذي يعد من أكبر أسواق المحتوى السينمائي في العالم، حيث تُبرم صفقات توزيع وإنتاج بمئات الملايين من الدولارات سنوياً.
هذا الحراك لا ينعكس فقط على شركات الإنتاج، بل يمتد إلى قطاعات السياحة، والضيافة، والإعلام، حيث تستفيد مدينة كان والاقتصاد المحلي من تدفق آلاف الزوار من صناع القرار، والمستثمرين، والنجوم، والصحفيين.
ومع صعود منصات البث الرقمي، أصبح المهرجان أيضاً ساحة تنافس بين شركات التكنولوجيا العملاقة وشركات الإنتاج التقليدية، في سباق على المحتوى القادر على جذب جمهور عالمي متنوع.
البعد الاقتصادي المباشر
تشير تقديرات صناعة السينما إلى أن “سوق الفيلم” في مهرجان كان شهد العام الماضي إبرام آلاف الصفقات، مع مشاركة أكثر من 12 ألف متخصص من نحو 120 دولة.
فيما قُدّرت القيمة الإجمالية للاتفاقيات، بين شراء حقوق التوزيع، وتمويل الإنتاجات، والشراكات بمليارات الدولارات، ما يعكس حجم السيولة التي يضخها المهرجان في شرايين القطاع سنوياً.
ولا تقتصر العوائد على الشركات الكبرى، بل تمتد إلى المنتجين المستقلين الذين يجدون في كان فرصة نادرة لتحويل مشاريعهم من أفكار إلى استثمارات قابلة للتنفيذ، في بيئة تجمع رأس المال بالإبداع تحت سقف واحد.
السينما كأداة لفهم العالم
في ظل التوترات الجيوسياسية، والأزمات الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية المتسارعة، تكتسب السينما دوراً متجدداً يتجاوز الترفيه.
فالأفلام المعروضة في كان غالباً ما تعكس قضايا الهجرة، والحروب، والهوية، والعدالة الاجتماعية، مقدمة سرديات بديلة تساعد الجمهور على فهم العالم من زوايا متعددة.
وفي هذا السياق، يصبح المهرجان منصة لتشكيل الوعي الجمعي، حيث يمكن لفيلم واحد أن يعيد طرح قضية منسية، أو يسلط الضوء على واقع إنساني بعيد عن العناوين الإخبارية التقليدية.
صناعة تتأقلم مع التحولات
تشهد صناعة السينما حالياً مرحلة إعادة تشكيل، مدفوعة بتغير عادات المشاهدة، وتطور التكنولوجيا، وارتفاع تكاليف الإنتاج. وفي هذا الإطار، يلعب مهرجان كان دوراً محورياً في تحديد الاتجاهات، سواء من خلال اختيار الأفلام، أو من خلال النقاشات التي تجمع صناع القرار حول مستقبل الصناعة.
كما يبرز المهرجان كمنصة لدعم السينما المستقلة، التي غالباً ما تجد صعوبة في الوصول إلى التمويل أو التوزيع، لكنه في الوقت ذاته يفتح لها أبواب العالمية.
بين الفن والاقتصاد.. معادلة مستمرة
يبقى مهرجان كان مثالاً حياً على التداخل بين الفن والاقتصاد، حيث تتحول القصص إلى أصول اقتصادية، وتصبح الثقافة أداة تأثير عالمي.
وفي عالم يشهد انقسامات متزايدة، تبدو السينما أكثر من أي وقت مضى وسيلة لإعادة سرد الحكاية الإنسانية، وربما لإعادة التفكير في المستقبل.
وبين عدسات المصورين وصفقات المنتجين، يستمر كان في أداء دوره كمرآة تعكس العالم، وكمنصة تسهم في صياغته.