حفل موسيقي بدأ في 2001 وينتهي عام 2640

545454
545454

في كنيسة بورشاردي العائدة إلى العصور الوسطى بمدينة هالبرشتات شرقي ألمانيا، لا يقاس الزمن الموسيقي بالدقائق أو الساعات، بل بالعقود والقرون، هناك، يواصل أورغن صغير عزف مقطوعة للمؤلف الأمريكي جون كيج، تنتهي عام 2640.

وشهدت الكنيسة، تغييراً نادراً في تناغم المقطوعة، إذ انتقل عدد النغمات الصادرة عن الأورغن من سبع إلى ثماني نغمات، في محطة تمثل نحو 4% من مسار المشروع الممتد على مدى ستة قرون.

واحتشد أكثر من 150 شخصاً داخل الكنيسة لمتابعة اللحظة، فيما تابعها آخرون عبر بث مباشر. واستمع الحضور لثلاث دقائق إلى النغمة السابقة، قبل أن يضاف أنبوب ثامن إلى الأورغن، فتغير الصوت بشكل طفيف، لكنه كان كافياً لإثارة التصفيق والهتافات.

وقال جيفري ليبندورف، المدير التنفيذي لمؤسسة جون كيج في نيويورك، إن الفارق «دقيق للغاية»، موضحاً أن الصوت أصبح أعلى وأكثر بروزاً قليلاً.

ويحمل العمل اسم ORGAN²/ASLSP (As SLow aS Possible)، وهي صيغة موسيقية أراد كيج من خلالها استكشاف حدود البطء في الأداء. كتب المقطوعة في الأصل للبيانو عام 1985، ثم أعاد صياغتها للأورغن عام 1987.

بدأ المشروع في هالبرشتات عام 2000، فيما انطلق الأداء الفعلي في 5 سبتمبر 2001، في ذكرى ميلاد كيج التاسعة والثمانين، بصمت استمر حتى 5 فبراير 2003، عندما صدرت أولى النغمات، ومن المقرر أن يستمر الأداء حتى 4 سبتمبر 2640.

وتعتمد الآلة على نظام نفخ كهربائي يضخ الهواء بصورة مستمرة إلى أنابيب الأورغن، بينما يتولى القائمون على المشروع تغيير النغمات يدوياً، عبر إضافة أنابيب جديدة أو إيقاف أخرى.

بعد وفاة كيج عام 1992، تحولت تعليماته المحدودة بشأن أداء العمل بأبطأ وأهدأ ما يمكن إلى مشروع فني طويل الأمد، وفي نسخة هالبرشتات، أصبحت أصغر وحدة زمنية في المقطوعة تمتد لشهر كامل، بينما يمكن أن تستمر بعض الوحدات وفترات الصمت لسنوات.

ولم يقتصر أثر المشروع على الموسيقى، إذ ساهم في إنقاذ كنيسة بورشاردي التي كانت تعاني حالة من التدهور، بعد جمع التبرعات لتشييد سقف جديد وتنفيذ أعمال ترميم سمحت باستمرار المشروع داخلها.

وترى أنيلي بورغمان، رئيسة مجلس أمناء مشروع جون كيج للأورغن في هالبرشتات، أن المكان يمنح الزوار فرصة للتوقف وسط عالم سريع الإيقاع والتأمل في معنى الحضور والوجود. وقالت إن المشروع يتيح للناس «العودة إلى الذات» والتأثر بفكرة أن يكون المرء حاضراً في لحظة تمتد عبر الزمن.

اختيرت مدة المشروع، البالغة 639 عاماً، تكريماً لتاريخ موسيقي يعود إلى عام 1361، حين كانت هناك آلة أورغن تاريخية في هالبرشتات. وبذلك أصبح امتداد العمل من 2001 إلى 2640 انعكاساً زمنياً لذلك التاريخ.

ويضع المشروع أجيالاً متعاقبة أمام مسؤولية الحفاظ على آلة موسيقية يفترض أن تستمر بعد رحيل القائمين عليها. فكل تغيير في النغمات يتطلب موسيقيين ومتطوعين وحرفيين جدد، بما يجعل استمرار المقطوعة مرتبطاً بقدرة أجيال المستقبل على رعايتها.

وقال مايكل بارنيت، وهو أحد محبي موسيقى كيج قدم من غلاسكو في اسكتلندا لحضور تغيير النغمة، إن مشاهدة هذه اللحظة تمثل تجربة نادرة تستحق أن يعيشها المرء مرة واحدة.

ويبقى السؤال الأكبر معلقاً على النغمة الأخيرة المنتظرة في عام 2640: كيف سيكون شكل العالم آنذاك؟ وهل ستظل الكنيسة قائمة، وهل سيبقى الأورغن قادراً على إصدار صوته، ومن سيكون هناك للاستماع إلى ختام المقطوعة التي بدأت قبل أكثر من ستة قرون؟