في خمسينيات القرن العشرين، كان الفنان الفرنسي إيف كلاين يبحث عن لون أزرق يملأ اللوحة بالكامل، ويصبح موضوع اللوحة، كما أراده لوناً أزرقاً كثيفاً، عميقاً يحتفظ ببريق الصبغة الخام، ويمنح العين إحساساً بالامتداد نحو فضاء بلا حدود، أي أزرق حقيقي وخاص.
تجارب كلاين
قادته التجارب العمل مع تاجر الألوان الباريسي "إدوارد آدم"، للوصول إلى تركيبة تحافظ على قوة صبغة الأزرق. أزرق فائق النقاء، مزجها بمادة تحافظ على وهج اللون، وعمقه، كانت هذه المادة تسمى الراتنج، وهو صناعي خاص، حتى لاحظ أن الأزرق احتفظ بكثافته المخملية التي أرادها كلاين.
في عام 1957م، قدّم في ميلانو معرضاً ضم إحدى عشرة لوحة أحادية اللون، جميعها الأزرق نفسه، فلاحظ الجمهور والنقاد وحتى كلاين نفسه، كيف بدأ اللون يخرج من وظيفته التقليدية، حيث لم يعد اللون خلفية لشخص ما، أو منظر أو شكل.. صار اللون هو المشهد والفكرة والتجربة البصرية الكاملة.
International Klein Blue
أطلق الفنان إيف كلاين هذا اللون على اسمه، "أزرق كلاين الدولي"، وسجله عام 1960م لدى المعهد الوطني للملكية الصناعية في باريس، وهو جهة حكومية فرنسية، سجله كبراءة اختراع للون نفسه، لأن الألوان الطبيعية لا تمتلك قانوناً، كما سجل تقنية التركيبة الكيميائية الفريدة التي دمجها وبدقة، من صبغة ألترا مارين الجافة، مع راتنج اصطناعي للحفاظ على لمعان اللون الأصلي.. وبالتالي تم تسجيل اللون الخاص الذي حافظ على صفائه، وليس كما يشاع اللون الأزرق العام.
فلسفة اللون الأزرق
اختيار الأزرق نفسه ارتبط بفلسفته الفنية، فقد رأى فيه لون السماء والبحر والفضاء اللامحدود، لوناً يقود العين إلى ما وراء الأشياء المادية.. فكان يقول:
"إن الأزرق، بخلاف الألوان الأخرى، يستحضر البحر والسماء، وهما أكثر ما في الطبيعة تجريداً".
وأخيراً اللون الأزرق والذي كان في مكان ما، موجوداً قبل كلاين وبقرون، يصبح مرتبطاً باسمه إلى الأبد. لم يخترع الأزرق، لكنه صنع له هوية فنية جديدة، حتى صار يكفي اليوم أن يظهر ذلك الأزرق المشبع والعميق، ليحضر اسم إيف كلاين معه.
تخليد الأزرق الكلايني
لم يعش إيف كلاين طويلاً (1928 – 1962) م، غادر الحياة في منتصف عمر الثلاثين، بعد أن جعل من هذا اللون فناً مفاهيمياً، قادته الرغبة إلى اختزال العناصر، ليبقى اللون وحده، بعد اهتمامه الطفولي بالفراغ والهواء والفضاء، جاعلاً "الأزرق الكلايني" منتشراً كطاقة، فاتفق النقاد على أن لوحاته هي البحث عن معنى، وإدراك داخلي.
بعد وفاته، خلدوا اللون الأزرق الدولي لكلاين، وصار هويته الأصلية، ولم يتجرأ أحد بعده استخدامه كتجريد فني، لا في الإعلانات أو حتى استخدام البريد، أو أياً كان، إلا بعد موافقة رسمية.



