بعد 200 عام.. الحمض النووي يكشف أسراراً صادمة عن بيتهوفن

بعد نحو 200 عام من وفاة الموسيقار الألماني الشهير لودفيج فان بيتهوفن، نجح فريق من العلماء في كشف تفاصيل جديدة ومفاجئة عن صحته وأسباب وفاته، مستعينين بتحليل الحمض النووي المستخرج من خصلات شعر موثقة تعود إليه.

وتسلط هذه النتائج الضوء على بعض أكثر الألغاز الطبية والتاريخية إثارة للجدل المرتبطة بحياة أحد أعظم المؤلفين الموسيقيين في التاريخ.

وتوفي بيتهوفن في مارس عام 1827 عن عمر ناهز 56 عاماً، بعد معاناة طويلة مع مشكلات صحية متعددة أثرت بشكل كبير في حياته اليومية ومسيرته الفنية.

شملت هذه المشكلات فقدان السمع تدريجياً، وآلاماً مزمنة في الجهاز الهضمي، إضافة إلى اضطرابات في الكبد ظهرت خلال السنوات الأخيرة من حياته.

ورغم شهرته العالمية وإرثه الموسيقي الضخم، بقيت الأسباب الحقيقية وراء تدهور صحته موضع نقاش بين الأطباء والمؤرخين لعقود طويلة.

كما أن بيتهوفن نفسه كان يرغب في أن يفهم الناس طبيعة الأمراض التي عانى منها، إذ ترك وثيقة طلب فيها من المقربين إليه الكشف عن تفاصيل حالته الصحية بعد وفاته.

وأجرى باحثون من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في ألمانيا دراسة جينية نُشرت عام 2023، بهدف البحث عن أدلة تساعد في تفسير الأمراض التي رافقت حياة الموسيقار الشهير.

واعتمد الباحثون على تحليل عينات شعر موثقة جرى التحقق من نسبتها إلى بيتهوفن بعد فحص تاريخها ومصدرها.

وأظهرت النتائج أن إحدى الفرضيات الشائعة بشأن وفاته لم تكن صحيحة، فخلال السنوات الماضية اعتقد بعض الباحثين أن التسمم بالرصاص ربما لعب دوراً رئيسياً في مرضه ووفاته، استناداً إلى تحليل خصلة شعر نُسبت إليه.

غير أن الدراسة الجديدة كشفت أن تلك الخصلة لا تعود إلى بيتهوفن أصلاً، بل إلى امرأة مجهولة الهوية، ما أسقط واحدة من أكثر النظريات تداولاً حول أسباب وفاته.

لكن الدراسة الجديدة قدمت أدلة تشير إلى أن بيتهوفن كان يحمل عوامل وراثية تزيد من احتمالات إصابته بأمراض الكبد، وكشفت عن آثار لعدوى التهاب الكبد "بي"، وهو ما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بأن المرض، إلى جانب عوامل أخرى مثل استهلاك الكحول، قد يكون ساهم في تدهور صحته خلال سنواته الأخيرة وأدى في النهاية إلى وفاته وفق sciencealert.

وأوضح العلماء أن النتائج لا تقدم إجابة نهائية حول السبب المباشر للوفاة، لكنها توفر مؤشرات قوية تساعد على فهم الظروف الصحية التي أحاطت بآخر سنوات حياته. كما أنها تستبعد عدداً من الفرضيات الجينية الأخرى التي طُرحت سابقاً لتفسير حالته.

ورغم هذا التقدم العلمي، لا تزال بعض أهم ألغاز حياة بيتهوفن بلا حل، فلم يتمكن الباحثون من تحديد السبب الدقيق لفقدان السمع الذي بدأ يعاني منه في أواخر العشرينات من عمره، قبل أن يتطور تدريجياً حتى أصبح شبه أصم في سنواته اللاحقة.

ويعد هذا الجانب من أكثر المفارقات المأساوية في حياته، إذ فقد حاسة السمع رغم أنه أحد أعظم الموسيقيين الذين عرفهم التاريخ.

كذلك لم تنجح الدراسة في تفسير الآلام المزمنة التي عانى منها في الجهاز الهضمي، والتي رافقته لسنوات طويلة وأثرت في صحته العامة، ولا يزال الباحثون يأملون أن تتيح تقنيات التحليل الجيني المتطورة مستقبلاً الوصول إلى إجابات أوضح بشأن هذه المشكلات.

ولم تتوقف المفاجآت عند الجانب الصحي فقط، إذ كشفت الدراسة عن نتيجة لافتة تتعلق بتاريخ عائلة بيتهوفن، فقد أظهرت مقارنة الكروموسوم "واي" في عينات شعره مع عينات من أقارب معاصرين ينحدرون من السلالة الأبوية للعائلة وجود عدم تطابق جيني واضح.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة في كشف بعض أسرار حياة بيتهوفن، وبينما نجح العلم الحديث في إماطة اللثام عن جانب من هذه الألغاز بعد نحو 200 عام من وفاته، فإن شخصية بيتهوفن لا تزال تحتفظ بالكثير من الأسرار التي تنتظر من يكشفها.