"رامون بياجواخي".. الرجل الذي يرسم الرئة الأخيرة للعالم

حين تنظر إلى لوحات الفنان الإكوادوري "رامون بياجواخي"، تشعر أن الغابة لا تُرسم فيها، بل تتنفس. الأشجار كثيفة إلى درجة تبدو معها اللوحة رطبة، والأنهار هادئة كأنها تتحرك ببطء حقيقي، أما الضوء فيأتي من داخل الطبيعة نفسها، لا من خارجها.

لكن الأكثر إدهاشاً في قصة رامون ليس فقط أسلوبه البصري، بل الطريق الذي أوصله إليه. فهو لم يدرس الفن أكاديمياً، ولم يدخل مدرسة للرسم، ولم يتعلم المنظور أو تقنيات اللون داخل معهد فني. لقد تعلّم من الغابة مباشرة.

رامون بياجواخي، المولود عام 1962 داخل محمية كويابينو في غابات الأمازون الإكوادورية، ينتمي إلى شعب السيكويا الأصلي، وعاش معظم حياته داخل الغابة بالقرب من نهر أغواريكو.

ملك الغابة

خلال حديثي معه في دبي، وبالتحديد في «آرت دبي 2026» وصف نفسه ضاحكاً بأنه "ملك الغابة". لم يقلها بغرور، بل بشعور شخص يعرف المكان الذي ينتمي إليه تماماً. فالغابة بالنسبة له ليست موضوعاً فنياً يزوره ثم يغادره، بل عالمه الكامل، وذاكرته، وبيته الأول.

وكانت مارينيلا، المديرة التنفيذية لغرفة التجارة الإكوادورية الإماراتية، تشرح لي أن رامون ما زال يعيش داخل الأمازون حتى اليوم، وأنه بدأ الرسم من خياله فقط، جالساً على ضفاف النهر، قبل أن يحصل لاحقاً على أدوات رسم حقيقية تساعده على تطوير موهبته.

لكن حتى بعد انتقاله إلى القماش والألوان، بقيت علاقته بالطبيعة عضوية للغاية. فقد كان يرسم باستخدام أوراق الأشجار وألوان الطبيعة نفسها، مستخرجاً درجات البني والأخضر والأصفر مباشرة من البيئة المحيطة به.

وعندما سألته عن تلك التجربة، أجاب ببساطة شديدة:

"التجربة كانت مباشرة مع الطبيعة".

كأن الرسم عنده ليس محاكاة للغابة، بل امتداد لها.

غابة تتكلم

في أعمال رامون، لا تبدو الأمازون مجرد منظر طبيعي، بل كائن حي كامل. الأشجار ليست خلفية، بل شخصيات. الماء ليس عنصراً جمالياً، بل ذاكرة تتحرك.

وتصف مجلة «نيان» المعنية بالفنون والثقافة في أمريكا اللاتينية لوحاته بأنها "أعمال مكبرة لعالم قليلون يستطيعون تخيله"، مشيرة إلى أن بعض جدارياته يصل طولها إلى أربعة أمتار، وتمثل ما يسميه رامون "أمازونه الأبدية" .

وهو نفسه يقول إن هذه الغابة ستبقى خالدة داخل اللوحات حتى لو اختفت في الواقع.

هذه الفكرة بالتحديد تكشف جوهر مشروعه الفني: الرسم ليس توثيقاً فقط، بل مقاومة ضد الفناء.

رئة العالم

خلال الحوار، كان يكرر فكرة واحدة تقريباً: حماية الغابة.

قال إن الأمازون "رئة العالم"، وإنه يريد من الناس أن يفهموا قيمة هذا المكان قبل أن يختفي. بالنسبة له، حماية الغابة ليست قضية بيئية مجردة، بل دفاع عن البيت والهوية والحياة نفسها.

وهذا المعنى يتكرر في تصريحاته منذ سنوات. فعندما فاز عمله “Eternal Amazon” بالجائزة الأولى في مسابقة الأمم المتحدة الفنية للألفية، متفوقاً على أكثر من 22 ألف عمل من 51 دولة، قال:

"آمل عندما يرى الناس لوحاتي ألا ينظروا إلى الفن فقط، بل أن يدركوا أن من واجبهم حماية غابات الأمازون"

ذاكرة خضراء

ربما ما يجعل أعمال رامون مختلفة أنها لا ترسم الطبيعة من الخارج، بل من الداخل. هو لا ينظر إلى الغابة كزائر أو سائح أو مراقب بيئي، بل كإنسان تشكل وعيه بالكامل داخلها.

ولهذا تبدو درجات اللون الأخضر في لوحاته غير عادية؛ ليست "لوناً واحداً للطبيعة"، بل عشرات الطبقات من الضوء والرطوبة والظل والنباتات.

من الأمازون إلى دبي

وجود رامون في الإمارات بدا لي مفارقة جميلة: فنان خرج من قلب الغابة المطيرة إلى مدينة صحراوية تبني مستقبلاً أخضر بطريقتها الخاصة.

وكانت مارينيلا تقول خلال اللقاء إنهم يرون في الإمارات مشروعاً يسعى إلى زيادة المساحات الخضراء والاستثمار في الاستدامة، وإنهم يريدون أن يتعرف الناس هنا إلى فنه ورسائله البيئية.

حتى رامون نفسه كان مهتماً بالنباتات المحلية هنا، وتحدث بحماس عن رغبته في رسم الأشجار الإماراتية إذا عاد مرة أخرى.

ما بعد الفن

في النهاية، لا يبدو "رامون بياجواخي" مجرد رسام من الأمازون، بل شاهد على عالم يتغير بسرعة، وربما لهذا تبدو لوحات رامون هادئة ومقلقة في الوقت نفسه؛ فهي لا تصرخ سياسياً، لكنها تحمل خوفاً واضحاً من اختفاء العالم الذي رسمه طوال حياته.