نجح باحثون فرنسيون في تطوير مادة خزفية جديدة تتمتع بمتانة تفوق السيراميك التقليدي بعشر مرات، وذلك باستخدام تقنية بسيطة تعتمد على الماء والتجميد المنظم، في ابتكار قد يفتح الباب أمام جيل جديد من المواد فائقة التحمل المستخدمة في الطيران والطاقة والصناعات الثقيلة.
واستوحى العلماء فكرتهم من "عرق اللؤلؤ" الموجود داخل أصداف بعض الكائنات البحرية، وهي مادة طبيعية معروفة بقدرتها العالية على مقاومة الكسر رغم أن مكوناتها الأساسية هشة بطبيعتها.
تُستخدم المواد الخزفية على نطاق واسع بفضل صلابتها ومقاومتها العالية للحرارة، إلا أن هشاشتها ظلت دائماً نقطة ضعف رئيسية، فعند تشكل أي شق صغير داخل المادة، يمكن أن ينتشر بسرعة ويتسبب في انهيارها تحت الضغط أو الصدمات.
وللتغلب على هذه المشكلة، ركز الباحثون الفرنسيون على إعادة تصميم البنية الداخلية للمادة بدلاً من تغيير تركيبها الكيميائي، مستفيدين من الطريقة الطبيعية التي تتعامل بها أصداف البحر مع التشققات.
كيف تعمل المادة الجديدة؟
بدأت عملية التصنيع باستخدام صفائح مجهرية من الألومينا معلقة داخل الماء، ثم جرى تبريد الخليط في ظروف دقيقة تسمح لبلورات الجليد بالنمو بطريقة منظمة.
وخلال عملية التجميد، تدفع بلورات الثلج جزيئات الألومينا لتصطف في طبقات متراصة تشبه الطوب، وبعد إزالة الجليد وتسخين المادة بدرجات حرارة مرتفعة تتشكل بنية خزفية صلبة شبيهة بعرق اللؤلؤ الطبيعي.
ويؤدي هذا الترتيب الداخلي إلى إبطاء انتشار الشقوق داخل المادة، إذ تضطر التشققات إلى الالتفاف حول الطبقات بدلاً من المرور بخط مستقيم، ما يستهلك الطاقة ويجعل الكسر أكثر صعوبة وفق ديلي جالاكسي.
متانة أعلى بعشر مرات
أكد الباحثون أن المادة الجديدة توفر مقاومة للكسر تزيد بنحو عشرة أضعاف مقارنة بالسيراميك التقليدي، مع احتفاظها بقدرتها على تحمل درجات حرارة تصل إلى 600 درجة مئوية.
ويرى العلماء أن هذه الخصائص تمنح المادة إمكانات كبيرة للاستخدام في البيئات القاسية التي تتعرض لضغط وحرارة مرتفعين، مثل محركات الطائرات والمركبات الفضائية والأفران الصناعية وأنظمة الطاقة.
تطبيقات مستقبلية واسعة
تشير الدراسة إلى أن المادة الجديدة قد تُستخدم أيضاً في تطوير الدروع الواقية وأنظمة الحماية الباليستية، خاصة أن سيراميك الألومينا يُستخدم بالفعل في بعض أنواع الدروع الحديثة.
كما أن بساطة المكونات المستخدمة في التصنيع تُعد من أبرز نقاط القوة في المشروع، إذ تعتمد العملية على مواد متوفرة بكثرة وتقنيات فيزيائية بسيطة نسبياً، ما قد يسهل توسيع استخدامها صناعياً في المستقبل.
ويرى الباحثون أن الابتكار يبرز كيف يمكن للطبيعة أن تلهم حلولاً هندسية متقدمة، حيث نجح تصميم مستوحى من أصداف بحرية في إنتاج مادة قد تغيّر مستقبل الصناعات عالية الأداء.
