تصف الفنانة الإماراتية صفية العوضي أعمالها بأنها "تحية للصحراء"، ليس للصحراء بوصفها مشهداً جمالياً فقط، بل ككائن حي يحمل التناقضات نفسها التي يحملها الإنسان: القسوة واللين، الصمت والحركة، الهشاشة والقدرة على البقاء.
في حديثها، لا تبدو الصحراء مكاناً للهروب كما يراها كثيرون، بل مساحة للتأمل والفهم وإعادة اكتشاف الذات.
تقول إن الناس غالباً ينظرون إلى الصحراء كملاذ للانعزال أو الفرار من ضجيج المدينة، أما هي فترى فيها شيئاً مختلفاً تماماً: قوة ناعمة، ومكاناً "متيناً لكنه طري في الوقت نفسه".
هذا التناقض نفسه قاد اختياراتها الفنية، خصوصاً استخدام الألمنيوم في أعمالها. فالمادة، كما تشرح، تبدو صلبة وقوية، لكنها قابلة للانحناء والخدش والتشكّل بسهولة، تماماً مثل الكثبان الرملية التي تبدو ثابتة من بعيد بينما تغيّرها الرياح باستمرار.
ولهذا لا تستخدم صفية الألمنيوم كخامة صناعية باردة، بل كامتداد لفكرة الصحراء نفسها. السطح المعدني في أعمالها يلتقط الضوء ويتحوّل معه، مثل الرمل عند تغير الشمس، بينما تبدو الخطوط المحفورة عليه كأنها آثار حركة أو رياح أو مسارات عبر الزمن.
لكن علاقتها بالصحراء لا تقوم على المشهد الرومانسي التقليدي فقط، فهي تتعامل معها كأرشيف حي للتغيرات البيئية والزمنية.
في نص مشروعها، تتحدث عن مراقبة التحولات التي شهدتها الصحراء بعد أمطار 2024 في الإمارات، وكيف ظهرت أنماط وخطوط ومسارات جديدة على الأرض لم تكن موجودة من قبل، ثم اختفت تدريجياً، هذه العلامات المؤقتة أصبحت جزءاً من لغتها البصرية.
وتشرح أيضاً أنها تستعين بصور الأقمار الصناعية والخرائط الجوية لدراسة حركة الكثبان وآثار المركبات وتكوينات الرمال، ثم تعيد ترجمة هذه المشاهد إلى خطوط متكررة ونقوش تبدو أقرب إلى الذاكرة منها إلى الرسم المباشر، ولذلك تبدو أعمالها كأنها خرائط حسية للصحراء، لا مجرد صور لها.
حتى مفهوم «الاستمرارية» حاضر بقوة في تجربتها، فهي ترى أن الصحراء، رغم تغيّرها الدائم، تحمل شكلاً من أشكال الثبات العميق، إذ تتبدل التفاصيل بينما تبقى الروح نفسها.
ومن هنا جاء عنوان أحد مشاريعها: «Holding the Dunes in Persistence»، أو «محاولة الإمساك بالكثبان داخل لحظة دائمة»، رغم أنها بطبيعتها عصية على الثبات.
ما يميز صفية أيضاً أنها لا تفرض نفسها على المادة أو المكان، بل تترك مساحة للتفاعل والصدفة والتآكل والوقت، كأن العمل الفني عندها ليس شيئاً يُنجز بالكامل، بل شيئاً يتغير مثل الصحراء نفسها.
وربما لهذا تبدو أعمالها هادئة ومقلقة في آن واحد، فهي لا تصرخ بصرياً، لكنها تجعل المشاهد يشعر بأن الأرض نفسها تتحرك تحت الخطوط.
وفي زمن تُختزل فيه الصحراء غالباً في صورة سياحية أو خلفية بصرية، تبدو تجربة صفية العوضي محاولة لإعادة النظر إليها بوصفها كائناً هشاً وقوياً في الوقت نفسه، تماماً كالبشر الذين يعيشون حولها.
