قلّما دخل حيوان إلى تاريخ الفن كما دخلت القطط، هادئة ومراوغة، منزلية ومقدسة، مضحكة ومهيبة في الوقت نفسه.
تظهر مرة في هيئة إلهة مصرية، ومرة على هامش مخطوطات العصور الوسطى، ومرة في مطبوعات يابانية مرحة، ثم تعود اليوم في الصور الرقمية والميمات، كأنها لم تغادر المخيلة البشرية قط.
وتعرض مؤسسة «سميثسونيان» مجموعة من الأعمال والقطع المستوحاة من القطط، تشمل لوحات ورسومات ومنحوتات ومطبوعات وصوراً، بما يكشف أن القط لم يكن ضيفاً عابراً في الفن، بل موضوعاً متكرراً عبر العصور والثقافات.
قطط مقدسة
في مصر القديمة، لم تكن القطة مجرد حيوان أليف، بل رمزاً للحماية والبيت والخصوبة.
ويشير متحف «المتروبوليتان للفنون» إلى أن تمثال القطة كان يمثل الإلهة «باستت»، المرتبطة بالقطة المنزلية، وأن الناس كانوا يقدمون القطط المحنطة هدايا لها.
أما متحف «بروكلين» فيوضح أن أحد أسباب تقدير المصريين القدماء للقطط كان قدرتها على قتل القوارض التي تهدد مخزون الطعام، ولذلك ارتبطت بالحماية، كما ارتبطت «باستت» بالخصوبة والأمومة.
هوامش مرحة
في العصور الوسطى، تسللت القطط إلى المخطوطات لا كرمز مقدس فقط، بل ككائن يومي ومشاكس.
ظهرت في الرسوم الهامشية، وفي النصوص، وأحياناً تركت أثرها حرفياً فوق الورق.
ويعرض متحف «والترز للفنون» في معرضه «Paws on Parchment» كيف نظر أهل العصور الوسطى إلى القطط وتفاعلوا معها وأعجبوا بها من خلال حضورها في المخطوطات.
ومن أغرب الشواهد التي يوردها تقرير في مجلة «سميثسونيان» أن قطة تركت آثار أقدامها بالحبر على مخطوط «فلمنكي» من القرن الخامس عشر، بعدما مرّت على الصفحة بينما كان الحبر لا يزال رطباً.
عين يابانية
في الفن الياباني، بدت القطة أكثر خفة ومشاكسة، ففي مطبوعات الـ«أوكييو-إي»، حضرت القطط بوصفها كائنات منزلية، وشخصيات شبه بشرية، وموضوعاً للّعب البصري والسخرية والدهشة.
وتعرض منصة «كولوسال» ، ضمن قراءتها لكتاب «Cat»، عملاً للفنان «أوتاغاوا هيروشيغه الثاني» بعنوان «قطة بيضاء تلعب بخيط» من عام 1863، في مثال واضح على حساسية الفن الياباني تجاه حركة القط وفضوله.
كما يحتفي الكتاب بأمثلة تمتد من المخطوطات المضيئة إلى النحت المعاصر والميمات.
أليفة أوروبية
في أوروبا الحديثة، بدأت القطة تنتقل تدريجياً من وظيفة صيد الفئران إلى صورة الحيوان الأليف القريب من الحياة اليومية.
تظهر في اللوحات قرب النساء، أو بجانب النوافذ، أو في غرف هادئة تمنح العمل الفني شعوراً بالحميمية والبيت.
وتعرض صور الأرشيف المفتوح في «معهد شيكاغو للفنون» نماذج متنوعة لتمثيل القطط في الفن، من آثار مصرية قديمة إلى أعمال أوروبية ويابانية، بينها أعمال لـ «إدوار مانيه» و «بول غوغان» و «إيسودا كوريوساي».
كتاب جامع
هذا الحضور الطويل تحتفي به دار «فايدون» ، الذي يتتبع علاقة البشر بالقطط عبر تاريخ الفن.
وتشير الدار إلى الآنسة «هانا شو» ، المعروفة باسم «Kitten Lady»، والفنانة «ليلى جربوعي»، والعلاقة المتبادلة بين الإنسان والقطط من منظور تاريخ الفن.
ذاكرة رقمية
اليوم، لم تعد القطة حبيسة المتحف أو الكتاب، بل أصبحت نجمة الإنترنت أيضاً: في الصور المتحركة، والميمات، ومقاطع الفيديو القصيرة، والرسوم الرقمية.
وما يبدو للوهلة الأولى مادة خفيفة أو مضحكة هو في الحقيقة امتداد حديث لولع قديم، فالإنسان ما زال ينظر إلى القطة كما نظر إليها الفنان القديم: كائناً صغيراً يصعب امتلاكه بالكامل.
ولعل سر القطة فنياً أنها تجمع التناقضات بسهولة، هي أليفة لكنها مستقلة، قريبة لكنها غامضة، مضحكة لكنها ذات كبرياء، وصغيرة الحجم لكنها واسعة الإيحاء، لذلك بقيت صالحة لكل عصر: للمعبد، والهامش، واللوحة، والكتاب، والشاشة.
القط في الفن ليس حيواناً فقط، بل سؤال صغير له عينان لامعتان: كيف يمكن لكائن يعيش معنا كل يوم أن يبقى، رغم ذلك، غريباً بما يكفي ليلهم آلاف الصور؟










