تتسع المواجهة الروسية الأوكرانية، مع اقتراب فصل الشتاء، إلى ما هو أبعد من خطوط القتال التقليدية، إذ باتت العمليات الميدانية تتزامن مع ضربات مكثفة، تستهدف شبكات الطاقة والنقل ومراكز الإمداد والمنشآت النفطية في عمق البلدين، فيما يتواصل الضغط الغربي على موسكو بالعقوبات والتحركات الدبلوماسية.
وعلى الجبهة، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الخميس، السيطرة على ثلاث بلدات في مقاطعة خاركوف، وقالت إن قواتها تواصل تضييق نطاق الحصار على وحدات أوكرانية في شمال شرقي المقاطعة. كما تحدثت عن تقدم داخل مدينة دوبروبوليه في دونيتسك، والسيطرة على 93 مبنى خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
وتكتسب دوبروبوليه أهمية تتجاوز حدود المدينة نفسها. فالمنطقة تقع على أحد محاور الاقتراب من الحزام الدفاعي الأوكراني في دونيتسك، الذي يضم مدناً رئيسة، مثل كراماتورسك وسلوفيانسك ودروكيفكا. وكانت تقديرات لمعهد دراسة الحرب قد أشارت خلال سبتمبر، إلى حشد روسيا قوات مدرعة ووحدات مسيّرات في هذا الاتجاه، استعداداً لعمليات خلال الخريف، فيما أعلنت القوات الأوكرانية في الأيام الأخيرة تحقيق تقدم في مناطق أخرى من شمالي دونيتسك. وبذلك يبقى هذا المحور ساحة لتحركات متبادلة، وسط تضارب مستمر بين روايتي موسكو وكييف، بشأن حجم السيطرة الميدانية.
لكن جزءاً متزايداً من الحرب بات يجري بعيداً عن خطوط التماس. فقد قالت موسكو إن دفاعاتها الجوية أسقطت 330 مسيّرة أوكرانية خلال ليلة واحدة فوق عدد من المناطق الروسية والقرم والبحر الأسود. وفي المقابل، أعلن سلاح الجو الأوكراني إسقاط أو تعطيل 87 من أصل 107 مسيّرات أطلقتها روسيا خلال الليل، بينها 63 مسيّرة نفاثة.
وفي كييف، أصابت مسيّرتان منطقة قريبة من دعامات الجسر الجنوبي، ما أدى إلى تعليق حركة المترو والنقل العام عبر أحد المعابر الرئيسة التي تربط ضفتي العاصمة. ما يضيف بعداً يتعلق بشبكات النقل إلى قائمة المنشآت التي تطالها الهجمات الجوية.
وجاء الهجوم بعد يوم من موجة واسعة من الضربات الروسية، استهدفت منشآت للطاقة ومرافق حيوية حول كييف ومناطق أخرى، وتسببت في انقطاعات للكهرباء، في أثقل هجوم منسق على شبكة الطاقة الأوكرانية منذ أشهر.
ومع اقتراب موسم التدفئة، يعود قطاع الطاقة إلى صدارة الأهداف الحساسة. فمحطات الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع ترتبط بالخدمات المدنية، لكنها تؤثر أيضاً في تشغيل القطارات والمنشآت الصناعية والاتصالات وسلاسل الإمداد، ما يجعل تأثير أي أضرار واسعة يتجاوز انقطاع التيار نفسه.
وفي الاتجاه المقابل، وسّعت أوكرانيا ضرباتها بعيدة المدى داخل روسيا، مع تركيز واضح على مصافي النفط والمنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة. وفي مطلع سبتمبر، أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن نحو عشرة في المئة من قدرات التكرير المتضررة من الهجمات، كانت لا تزال بحاجة إلى إصلاح، في مؤشر على أثر حملة استهداف المصافي التي أصبحت أحد أبرز محاور العمليات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية.
ولم يتوقف الضغط عند الجانب العسكري. فقد أعلنت بريطانيا، الخميس، حزمة جديدة تضم 31 إجراءً ضد روسيا، تشمل 23 فرداً وكياناً وثماني سفن، بينها سفن مرتبطة بما يعرف بـ «أسطول الظل»، في إطار مساعي لندن لتقييد الإيرادات الروسية، وشبكات الالتفاف على العقوبات.
وفي الوقت نفسه، امتد التوتر إلى المسار الدبلوماسي، بعدما قررت موسكو طرد عدد من الدبلوماسيين المجريين، رداً على طرد بودابست عشرة دبلوماسيين روس الشهر الماضي، في تطور يأتي بعد تغير سياسي في المجر، وتأكيد الحكومة الجديدة أولوية علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.