مع وصول حقبة التسعينيات إلى ذروة عنفوانها وازدهارها، كانت خريطة موسيقى «البوب» قد تشرذمت وتوزعت بين تيارات محلية بالغة الدقة والتحديد، إذ شهدت الساحة صعود موسيقى «الغرنج» مع فرقة «نيرفانا»، والانفجار المدوي لموسيقى الهيب هوب بين الساحلين الغربي والشرقي (توباك وبيغي)، فضلاً عن الولادة المصقولة لموسيقى «تين بوب» (Teen pop) الموجهة للمراهقين في أواخر التسعينيات (بريتني سبيرز، وباك ستريت بويز).

​ولكن، ماذا عن مايكل جاكسون؟ لقد رفض تماماً الانضواء تحت أي من تلك القوالب أو المسميات الجاهزة؛ بل تحول — بالمعنى الحرفي للكلمة — إلى تصنيف فني مستقل قائم بذاته.

​وفي الوقت الذي كان فيه مغنو الـ«R&B» في التسعينيات يستعرضون قدراتهم عبر تحسينات ونبرات صوتية ناعمة (كما هو الحال مع فرقة «Boyz II Men» أو «ماريا كاري»، حوّل مايكل صوته حرفياً إلى آلة إيقاعية؛ حيث أصبح أسلوبه الغنائي في التسعينيات حاداً ومتقطع النبرات بشكل لا يصدق.

فكان يهمس، ويزأر، ويلهث، ويصدر إيقاعات بفمه، ويفرقع أصابعه مباشرة في الميكروفون، دمجاً للزماته الصوتية في صلب المسارات الإيقاعية للأغنية.

ولو قمت بتجريد أغاني مايكل في التسعينيات من كافة الآلات الموسيقية، لظلت نبراته الصوتية وحدها قادرة على قيادة وضبط الإيقاع. ​وبينما كانت أغاني البوب في التسعينيات تدور عموماً حول قصص الرومانسية والصخب، اكتسب نتاج مايكل الفني في تلك الحقبة طابعاً غارقاً في الغضب، والدفاع عن النفس.

وجاءت أعمال مثل «Scream» (دويتو الغنائي مع شقيقته جانيت جاكسون)، و«They Don»t Care About Us»، و«Earth Song» لتطرح موضوعات وقضايا كبرى مثل الفساد الإعلامي، والعزلة، والظلم المؤسساتي، والانهيار البيئي، ما أضفى على موسيقاه كثافة عاطفية وثقلاً مسرحياً لم يتمكن معاصروه من تقليده.

​لقد تمكن من البقاء مواكباً للعصر بشكل مذهل عبر التعاون مع أبرز منتجي التسعينيات (مثل تيدي رايلي ورودني «دارك تشايلد» جيركينز)، لكنه كان دائماً يطوع ويبسط أصواتهم وإيقاعاتهم لتخدم رؤيته الخاصة، وليس العكس أبداً.

في عام 1993، تحطّم عالم مايكل جاكسون تماماً عندما واجه أول اتهاماته العلنية الكبرى المتعلقة بالانتهاك الجنسي للأطفال. ورغم تسوية القضية المدنية خارج أروقة المحاكم وعدم توجيه أي تهم جنائية رسمية إليه آنذاك، إلا أن سمعته العالمية الناصعة تلقت ضربة قاصمة، فاختفت عقود الرعاية الإعلانية تماماً، وتبدلت النظرة العامة له بشكل جذري.

​وعندما دخل الاستوديو لتسجيل مشروعه القادم، لم يكتب جملاً موسيقية راقصة وخفيفة، بل صنع ألبوماً مغرقاً في الغضب، وجنون الارتياب، والدفاع الشرس عن النفس.

​وهنا، وجدت شركة «سوني ميوزيك» نفسها أمام مأزق مالي مرعب؛ فقد استثمرت عشرات الملايين في جاكسون، لكنها لم تكن واثقة مما إذا كان الجمهور سيقبل على شراء ألبوم مستقل يمثل في جوهره هجوماً موسيقياً مضاداً، سوداوياً وهجومياً، ضد وسائل الإعلام.

فقررت سوني طرح ألبوم مزدوج، الأول يحوي كل أغانيه الناجحة والثاني الأغاني الجديدة، ويباعان معاً. نجحت الاستراتيجية وباع الألبوم 40 مليون نسخة ودخل التاريخ أكثر ألبوم مزدوج مبيعاً.

بعد عامين كان مايكل جاكسون مرهقاً جداً من جولته الغنائية فطرح ألبوماً غنائياً مزدوجاً آخر، لكنه في قرص CD واحد بعنوان Blood on the Dance Floor تضمن 5 أغانٍ جديدة فقط والباقي من ألبومه السابق. انفجر الخلاف بين مايكل جاكسون وتومي موتولا، رئيس سوني ميوزيك، عندما رفض الأول تجديد عقده بعد طرح ألبومه الأخير Invincible عام 2001. أصر موتولا على تجديد العقد أو إجبار جاكسون بيع حصة 50 % في سوني ليسدد ديونه البالغة 500 مليون دولار.

رفض جاكسون، فسحب موتولا كل الدعم الترويجي للألبوم الجديد، ما تسبب في فشله. انفجر الصراع مجدداً عندما قرر جاكسون طرح Unbreakable كأول أغنية منفردة من الألبوم، رفض موتولا وطرح You Rock My World ما أغضب جاكسون واتهم موتولا بالعنصرية ضد الفنانين الأقلية.

جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001 في خضم ذلك الخلاف، ما أجبر سوني على إلغاء الجولة الغنائية الترويجية للألبوم، فضلاً عن تسرب أغانيه بشكل كبير إلى فضاء الإنترنت، ما عمق خسائره، خصوصاً أن ميزانية الألبوم الجديد بلغت 30 مليون دولار.

هندسة البوب: كيف شيّد مايكل جاكسون مفهوم الألبوم الحديث.. ثم فكك أركانه (2-3)

هندسة البوب: كيف شيّد مايكل جاكسون مفهوم الألبوم الحديث... ثم فكك أركانه؟ (1-3)