منظمة الصحة العالمية تتابع الحادثة عن كثب
3847 إصابة و423 وفاة بالطاعون بين 2019 و2025
الكونغو الديمقراطية ومدغشقر تسجلان معظم الحالات
الولايات المتحدة ترصد إصابات سنوية متفرقة
يصنف الطاعون تاريخياً كأحد أكثر الأمراض إثارة للرعب في العالم، بعدما تسبب في جائحات أودت بحياة عشرات الملايين من البشر عبر العصور. ورغم أن الإصابات البشرية أصبحت نادرة في العصر الحديث ويمكن علاجها عموماً بالمضادات الحيوية، فإن وفاة باحثة شابة في معهد روسي متخصص في دراسة الطاعون والعدوى الخطيرة إثر إصابتها بتهيج رئوي حاد وسريع، أعادت تسليط الضوء على هذا المرض الفتاك، بحسب بلومبرج.
ولم تؤكد السلطات الروسية رسمياً إصابة المتوفاة بالطاعون، مشيرة إلى أن الفحوص المخبرية لم تسفر عن رصد أي كائنات دقيقة مرتبطة بطبيعة عملها. غير أن ملابسات الوفاة والإجراءات الاحترازية المشددة التي فرضت لاحقاً أثارت متابعة وحذراً من الجهات الصحية في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب منظمة الصحة العالمية.
ما الذي حدث في سيبيريا؟
توفيت باحثة مختبر في الثامنة والعشرين من عمرها بمعهد «إركوتسك» لأبحاث مكافحة الطاعون في سيبيريا والشرق الأقصى خلال ليلة الأول إلى الثاني من أكتوبر الجاري، عقب إصابتها بالتهاب رئوي حاد. وذكرت وسائل إعلام روسية مستقلة أن الباحثة ربما تعرضت للبكتيريا المسببة للطاعون جراء كسر أنبوب اختبار داخل المعهد، وهو ما لم يتم تأكيده من مصادر رسمية؛ إذ نفت الهيئة الروسية لحماية حقوق المستهلك ورفاهية الإنسان «روسبوتريبنادزور» وقوع أي حادث معملي يتصل بكائنات دقيقة خطيرة، مؤكدة أن التحليلات المكثفة لعينات المتوفاة لم تظهر أي مسببات مرضية مرتبطة بأبحاثها.
وحتى الآن، تعزى الوفاة رسمياً إلى التهاب رئوي «مجهول المصدر». وفي إطار الخطوات الاحترازية، وضعت السلطات نحو 200 شخص ممن احتكوا بالباحثة تحت الملاحظة الطبية، وفرضت الحجر الصحي على المستشفى الذي تلقت فيه العلاج، إلى جانب قيود إضافية في المنشآت الطبية بالمنطقة. ولم تسجل أي إصابات مؤكدة بالطاعون بين المخالطين، فيما تؤكد السلطات الروسية استقرار الوضع الوبائي.
ومع ذلك، أثارت التقارير الإعلامية تساؤلات جادة بشأن كيفية حدوث التعرض المحتمل؛ إذ تخضع التعاملات في المختبرات عادة لبروتوكولات حماية متعددة الطبقات لمنع أي تسرب أو كسر في الأوعية من إيذاء العاملين. وتتابع منظمة الصحة العالمية المستجدات عن كثب، مشيرة إلى أن المخاطر على عامة السكان تبدو منخفضة بناءً على المعلومات غير الرسمية المتاحة، بينما تتواصل مع السلطات الروسية لطلب تفاصيل إضافية بشأن التحليلات المخبرية وتتبع المخالطين ومدى وجود أي تداعيات على الصحة العامة خارج الحدود الروسية.
ما هو الطاعون؟
الطاعون هو عدوى بكتيرية تسببها بكتيريا تُعرف باسم «اليرسينية الطاعونية» (Yersinia pestis)، وتنتقل عادة بين القوارض والثدييات الصغيرة والبراغيث التي تعيش عليها. وينتقل المرض إلى الإنسان غالباً عبر لدغات البراغيث المصابة أو ملامسة حيوانات مريضة، كما يمكن أن تنتقل البكتيريا عبر الاستنشاق؛ حيث ينشر مصابو الطاعون الرئوي العدوى للآخرين عن طريق الرذاذ التنفسي.
ويتخذ المرض ثلاثة أشكال رئيسية تسببها البكتيريا نفسها، ولكنها تؤثر في أجزاء مختلفة من الجسم:
1.الطاعون الدبلي (أو الدملي): وهو الشكل الأكثر شيوعاً، ويتسبب في الحمى والقشعريرة وتورم مؤلم في العقد اللمفاوية، وهو المتسبب الرئيسي في جائحة «الموت الأسود» خلال القرون الوسطى.
2.طاعون تسمم الدم: يحدث عندما تتكاثر البكتيريا في مجرى الدم مباشرة، ما يؤدي إلى نزيف وتلف في النسج وهبوط في وظائف الأعضاء وصدمة بدنية.
3.الطاعون الرئوي: وهو الشكل الأشد خطورة، وينشأ عندما تصل البكتيريا إلى الرئتين سواء عبر تطور الأشكال الأخرى من المرض أم عن طريق استنشاق البكتيريا مباشرة. وتتطور أعراضه بسرعة لتشمل الحمى، والضعف العام، وآلام الصدر، وضيق التنفس، والسعال المصحوب ببلغم دموي.
هل لا يزال الطاعون موجوداً؟
نعم، لا تزال البكتيريا المسببة للمرض مستوطنة بين مجموعات الحيوانات البرية في مناطق من أفريقيا وآسيا والأمريكتين، ما يجعل القضاء عليه نهائياً أمراً غير ممكن عملياً.
وسجلت منظمة الصحة العالمية 3.847 إصابة بكتيرية و423 حالة وفاة في 10 دول خلال الفترة من عام 2019 حتى عام 2025، ووقعت معظم هذه الحالات في جمهورية كونغو الديمقراطية ومدغشقر. كما تظهر حالات متفرقة في الدول المتقدمة؛ إذ تسجل الولايات المتحدة سنوياً إصابات عدة، تتركز غالباً في الولايات الغربية، حيث تنتقل البكتيريا طبيعياً بين القوارض البرية والبراغيث.
ما مدى خطورة الطاعون الرئوي؟
أدت المضادات الحيوية ووسائل تحسين الصرف الصحي وأنظمة الترصد الوبائي الحديثة إلى تقليص الخطر التاريخي للطاعون، غير أنه يظل مرضاً شديد الخطورة في حال عدم تشخيصه وعلاجه بسرعة.
ويعد الطاعون الرئوي الأسرع تطوراً بين أشكال المرض؛ إذ تظهر أعراضه خلال فترة تتراوح بين يوم واحد وثلاثة أيام من التعرض للعدوى. وفي غياب العلاج الفعال بالمضادات الحيوية، قد تؤدي العدوى إلى الوفاة خلال 24 ساعة من بدء ظهور الأعراض الحادة.
لذلك، يكتسب العلاج المبكر أهمية بالغة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن المضادات الحيوية الشائعة تعد فعالة ضد بكتيريا «اليرسينية الطاعونية»، وتكون فرص التعافي عالية عند اكتشاف المرض ومعالجته فوراً، كما يمكن إعطاء المضادات الحيوية وقائياً للأشخاص الذين يثبت تعرضهم للعدوى قبل ظهور الأعراض عليهم.
وتسهم فترة الحضانة القصيرة للمرض في ظهور الإصابات سريعاً؛ فبعد مرور أيام عدة على وفاة الباحثة الروسية، لم تُسجل أي إصابات جديدة أو أعراض شبيهة بالطاعون بين نحو 200 شخص يخضعون للمراقبة الطبية، ما خفف المخاوف من احتمال انتشار العدوى داخل المجتمع.
كيف ينتقل المرض وكيف تتم السيطرة عليه؟
يمتاز الطاعون الرئوي بأنه الشكل الوحيد بين أنواع الطاعون الذي يمكنه الانتقال مباشرة بين البشر عن طريق الرذاذ التنفسي الصادر أثناء السعال. وتتطلب العدوى عادة مخالطة وثيقة لمريض يمر بمرحلة الأعراض الحادة. وبخلاف فيروسات مثل «كوفيد-19» أو الإنفلونزا، لا يُعرف عن الطاعون قدرته على التفشي المستدام عبر المجتمعات عن طريق أشخاص يحملون أعراضاً خفيفة أو لا تظهر عليهم أعراض.
ونظراً لأن مصابي الطاعون الرئوي يعانون من تدهور صحي سريع وحاد، يسُهل على الجهات الصحية رصد الحالات وتتبع المخالطين. ومع ذلك، فإن الطبيعة المتسارعة للمرض وقابليته للانتقال بين البشر تجعل من تسجيل أي حالة مشتبه بها أمراً يتطلب استجابة فورية من قطاعات الصحة العامة.
وعند الاشتباه بالإصابة، تتدخل السلطات الصحية قبل انتظار النتائج المخبرية؛ حيث توصي منظمة الصحة العالمية بالبدء الفوري في تقديم المضادات الحيوية المناسبة، وحصر المخالطين المباشرين ومراقبتهم مع إعطائهم مضادات حيوية وقائية لمدة 7 أيام.
لماذا تمتلك روسيا معهداً لمكافحة الطاعون؟
تمتلك معاهد مكافحة الطاعون تاريخاً طويلاً في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق؛ نظراً لوجود بؤر طبيعية للمرض بين القوارض البرية في مناطق واسعة من وسط وشمال آسيا، بما في ذلك سيبيريا ومنغوليا وشمال الصين. وتدير روسيا شبكة من المختبرات المتخصصة ومحطات المراقبة للتقصي عن المرض لدى الحيوانات، وتحقيق الإصابات البشرية، ومنع تفشي الأوبئة.
وتأسس معهد «إركوتسك» عام 1934 خصيصاً لمكافحة الطاعون في سيبيريا والشرق الأقصى الروسي، قبل أن تتوسع مهامه لاحقاً لتشمل أمراضاً أخرى شديدة الخطورة مثل الكوليرا والجمرة الخبيثة والبروسيلوز، فضلاً عن الأمراض المشتركة التي تنتقل من الحيوان إلى الإنسان.
ويقوم المعهد اليوم بمراقبة المناطق التي ينشط فيها الطاعون طبيعياً في سيبيريا والشرق الأقصى، ويوفر خدمات التشخيص والترصد الوبائي، ويزود الجهات الصحية الإقليمية بالاستشارات الفنية لحصر الأوبئة.
وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، كان المعهد يشارك في برنامج سري للأسلحة البيولوجية شمل أبحاثاً على بكتيريا الطاعون. ويسهم هذا البعد التاريخي في زيادة الاهتمام والحذر الدوليين تجاه حادثة سيبيريا، على الرغم من عدم وجود أي أدلة علنية ترتبط بوفاة الباحثة بأبحاث الأسلحة البيولوجية.