لماذا يتفوّق بعض الأطفال في الرياضيات بسهولة، بينما يجد آخرون صعوبة في فهم المسائل وحلّها، حتى بعد تكرار الشرح والتدريب؟ الإجابة قد لا تكون مرتبطة بالأرقام وحدها، بل بقدرات عقلية ولغوية تلعب دورا أساسيا في طريقة تعلّم الطفل وفهمه للمفاهيم الرياضية.
فقد كشفت دراسة علمية حديثة، نُشرت في مجلة Journal of Intelligence، أن المهارات اللغوية والقدرة على الاستدلال المنطقي تُعدّان من أبرز المؤشرات التي تساعد على التنبؤ بأداء الطلاب في الرياضيات، مشيرةً إلى أن درجات الاختبارات وحدها قد لا تكشف الأسباب الحقيقية وراء تعثّر بعض الأطفال.
122 مجموعة اختبار تكشف جوانب خفية من التعلم
الدراسة، التي قادها الدكتور دانيال هايوفسكي، الأستاذ المشارك بقسم علم النفس التربوي في جامعة تكساس إيه آند إم، جمعت نتائج 122 مجموعة مختلفة من الاختبارات المعيارية، بهدف فهم العلاقة بين القدرات المعرفية والأداء الرياضي.
وشملت المقارنة مهارات متعددة، من بينها المعرفة الرياضية الأساسية، وإجراء العمليات الحسابية، وحل المشكلات، والطلاقة في أداء المهام الرياضية.
وأظهرت النتائج أن الحس العددي، أي قدرة الطفل على فهم الأرقام والعلاقات بينها، يمثل أساسا مهما لاكتساب المهارات الرياضية اللاحقة، إلى جانب القدرات المعرفية الأخرى.
وقال هايوفسكي إن القدرات العقلية تؤثر في التعلم والتحصيل الدراسي، لكنها لا تحدد وحدها مستوى قدرة الفرد على تعلّم الرياضيات.
ليست الأرقام وحدها.. اللغة تؤدي دورا حاسما
من أبرز النتائج التي سلطت الدراسة الضوء عليها أهمية اللغة والمفردات وفهم المقروء في تعلّم الرياضيات.
فحلّ المسألة لا يتطلب دائما إجراء عملية حسابية فحسب، بل يستلزم أيضا فهم صياغة السؤال، وتحديد المعلومات المهمة، وربطها ببعضها للوصول إلى الحل الصحيح.
ويشير الباحثون إلى أن المعرفة اللغوية تساعد الطلاب على استيعاب المعلومات الجديدة والاستفادة من خبراتهم السابقة، وهي مهارات لا تقتصر أهميتها على القراءة والكتابة، بل تمتد إلى الرياضيات أيضا.
وقد يواجه الطفل صعوبة في حل مسألة مكتوبة ليس لأنه لا يفهم العملية الحسابية، بل لأنه لم يستوعب المطلوب من السؤال أو لم يتمكن من تحديد المعلومات الأساسية فيه.
ما علاقة الألغاز البصرية بالقدرة على الحساب؟
سلّطت الدراسة الضوء أيضا على ما يُعرف باسم "الاستدلال المرن"، وهو القدرة على اكتشاف العلاقات بين المعلومات واستخلاص النتائج، حتى في المواقف الجديدة التي لا تتوافر بشأنها قواعد جاهزة.
وشرح هايوفسكي هذه القدرة بمثال تعلّم لعبة جديدة دون معرفة قواعدها مسبقا، موضحا أن الاستدلال يساعد الشخص على تحديد المعلومات ذات الصلة واستبعاد ما لا يفيده.
كما أشار إلى وجود ارتباط إيجابي بين الأداء في المهام العقلية المختلفة، فبعض المهارات، مثل التعامل الذهني مع الأشكال والألغاز البصرية، قد ترتبط بمهارات أخرى، من بينها تطوّر المفردات اللغوية.
ويعكس ذلك احتمال استفادة قدرات عقلية متنوعة من آليات ذهنية مشتركة تدعم التعلم والأداء في مهام مختلفة.
أخطاء الطفل قد تكشف أكثر مما تكشفه درجاته
لعل أبرز ما تطرحه الدراسة من دلالات تربوية هو ضرورة تغيير طريقة التعامل مع تعثّر الطلاب في الرياضيات، فبدلا من الاكتفاء بتقييم الطالب بناءً على درجته النهائية، يقترح الباحثون تحليل الأخطاء التي يرتكبها لتحديد مصدر الصعوبة بدقة أكبر.
فقد تكون المشكلة في فهم المفاهيم الأساسية، أو في اللغة المستخدمة داخل المسألة، أو في الاستدلال، أو في الكفاءة والسرعة عند تنفيذ العمليات.
ومن شأن التمييز بين هذه الأسباب أن يساعد المعلمين على تصميم أساليب تدريس أكثر ملاءمة لاحتياجات كل طالب، بدلا من تقديم العلاج التعليمي نفسه لجميع الطلاب.
ويأمل الباحثون أن تسهم هذه المقاربة في الكشف المبكر عن صعوبات التعلم وتوجيه الدعم إلى الجوانب التي تحتاج إلى تحسين، بما قد ينعكس إيجابا على نتائج الطلاب في الرياضيات.
ماذا تعني النتائج للآباء والمعلمين؟
تؤكد نتائج الدراسة أهمية النظر إلى صعوبات الرياضيات باعتبارها مشكلة تحتاج إلى فهم أسبابها، لا مجرد الحكم على مستوى الطفل من خلال درجاته.
فقد يكون من المفيد التحقق مما إذا كان الطفل يفهم نص المسألة، ويستوعب معنى الأرقام والعلاقات بينها، ويستطيع اختيار الخطوات المناسبة للحل، قبل افتراض أنه يعاني ضعفا في الرياضيات عموما.
قد يبدأ تحسين أداء الطفل في الرياضيات من فهم طريقة تفكيره، وليس من زيادة عدد المسائل التي يحلّها فحسب، وكلما أمكن تحديد مصدر الخطأ، أصبح من الأسهل تقديم دعم تعليمي يناسب احتياجاته الفعلية.