أطلق "مركز البيان للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية" أولى جلسات طاولاته المستديرة بعنوان: "الجيوسياسية ، سلاسل التوريد ، بريكس والتحالفات .. نحو إطار تنظيمي إماراتي للمرحلة الجديدة".
وسلط المركز الضوء على التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي تعيد رسم موازين القوة العالمية، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتغير خريطة التحالفات الاقتصادية، وتزايد أهمية سلاسل التوريد والممرات اللوجستية في صياغة النفوذ العالمي الجديد.
كما أبرز ساسة الإمارات والتي تتبنى نموذج تحالف متعدد الطبقات عبر بناء شراكات متنوعة مع مختلف الكتل الاقتصادية الكبرى.
وفي محور التحولات الجيوسياسية، قالت الدكتورة هدى الخزيمي، بروفيسور الاقتصاد المتقدم ونائب مدير جامعة نيويورك، هلال الجلسة، إن العالم يمر اليوم بأكبر عملية إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي منذ عام 1991، موضحة أن النظام أحادي القطبية بدأ يتراجع تدريجيا تحت ضغط المنافسة بين الكتل الاقتصادية الكبرى، وعودة الجيوسياسية إلى قلب القرار الاقتصادي، وتصاعد الأزمات في الممرات البحرية الحيوية من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز.
وأضافت أن المرحلة الحالية تمثل «فجوة بين نظام قديم يتراجع وآخر جديد لم يكتمل بعد»، وهي المرحلة التي تتشكل خلالها الفرص السيادية الكبرى للدول القادرة على بناء مرونة اقتصادية ولوجستية متقدمة.
وأوضحت أن التحولات الحالية لم تعد مرتبطة فقط بالاقتصاد التقليدي، بل امتدت إلى إعادة صياغة القواعد التي تحكم التجارة الدولية، وأنظمة المدفوعات، وسلاسل الإمداد، والتحالفات الاقتصادية.
وأشارت إلى أن العالم يتجه نحو لامركزية القوة، حيث لم تعد الهيمنة الاقتصادية والسياسية محصورة في محور واحد، بل بدأت تتوزع بين قوى وتحالفات متعددة تسعى إلى بناء أدواتها المالية والتجارية المستقلة.
كما لفتت إلى أن الدول باتت تعيد تقييم استراتيجياتها الاستثمارية واللوجستية لحماية ما وصفته بـالسيادة الإنتاجية، أي قدرة الدولة على الحفاظ على استمرارية الإنتاج والتوريد خلال فترات الأزمات والصدمات العالمية.
الأزمات الإقليمية
وقالت الدكتورة هدى الخزيمي إن السنوات الأخيرة كشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية المتلاحقة، موضحة أن العالم انتقل من مفهوم الأزمة الواحدة إلى مناطق الأزمات المتعددة، حيث تتداخل النزاعات السياسية مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد.
وأشارت إلى أن سلسلة الصدمات بدأت بجائحة "كورونا"، ثم الركود الاقتصادي العالمي، مروراً بحرب أوكرانيا، وصولاً إلى التوترات الإقليمية في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وهي أحداث تسببت في اضطرابات متتابعة أثرت على التجارة العالمية والنمو والاستثمار.
وأضافت أن بعض الاقتصادات العالمية شهدت انحرافاً في توقعات النمو بنحو 8% مقارنة بالتقديرات السابقة نتيجة اضطرابات النقل والطاقة وسلاسل التوريد، مشيرة إلى أن أزمة البحر الأحمر التي بدأت في نوفمبر 2023 قلصت حركة قناة السويس بنسبة 90 %، فيما أدت أزمة هرمز في مارس 2026 إلى تراجع حركة العبور بنسبة 94.6% خلال شهر واحد فقط.
وذكرت أن هذه التطورات كشفت أهمية المرونة الجغرافية باعتبارها أصلاً سيادياً جديداً، موضحة أن الدول التي استثمرت مبكرا في البنية التحتية البديلة كانت الأكثر قدرة على حماية تدفقات التجارة والطاقة أثناء الأزمات.
وبينت أن الإمارات قدمت نموذجاً واضحاً في هذا المجال عبر تطوير ميناء الفجيرة، الذي أصبح ثالث أكبر مركز عالمي لتموين السفن، إلى جانب خط أنابيب الفجيرة الذي تصل طاقته إلى 1.5 مليون برميل يوميا متجاوزة مضيق هرمز، فضلاً عن التوسعات المستمرة في ميناء خليفة الذي يستهدف الوصول إلى طاقة تشغيلية تبلغ 15 مليون حاوية بحلول 2030.
وأضافت أن هذه المشاريع لم تبن كردة فعل للأزمات، بل ضمن رؤية استراتيجية استباقية عززت موقع الإمارات كمركز لوجستي عالمي قادر على الحفاظ على استمرارية التدفقات التجارية حتى في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية.
التوازن بين الكتل
وأكدت الخزيمي أن الإمارات لا تختار طرفاً بين الكتل الكبرى، بل تحدد قواعد الربط بين هذه الكتل, وهذا اختيار سيادي مدروس، لا حياد سلبي.
وأشارت إلى أن العالم يتجه بوتيرة متسارعة نحو نظام متعدد الأقطاب، في ظل تنامي نفوذ التحالفات الاقتصادية الجديدة وعلى رأسها "بريكس" التي أصبحت تمثل أحد أبرز ملامح إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. وأوضحت أن "بريكس" الموسعة تضم حالياً 11 عضواً و10 شركاء، وتمثل نحو 46 % من الناتج العالمي، و42 % من سكان العالم، و35 % من تجارة السلع الدولية، ما يجعلها قوة اقتصادية متنامية تسعى إلى بناء بدائل للنظام المالي التقليدي القائم على هيمنة الدولار.
وأضافت أن التحالفات الجديدة لم تعد تقتصر على الأبعاد السياسية، بل أصبحت تمتد إلى أنظمة المدفوعات والبنية المالية واللوجستية، مشيرة إلى مبادرات مثل "بريكس باي" ومنصات العملات الرقمية للبنوك المركزية مثل “mBridge”، التي بدأت تعيد تشكيل شبكات المعاملات المالية عالمياً.
كما أوضحت أن الإمارات تتبنى نموذج"التحالف متعدد الطبقات"، عبر بناء شراكات متنوعة مع مختلف الكتل الاقتصادية الكبرى دون الانحياز لمحور واحد، وهو ما يمنحها مرونة استراتيجية واقتصادية عالية.
ولفتت إلى أن الإمارات تجمع بين شراكاتها الغربية، وتحالفاتها الاقتصادية الآسيوية، واتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، إضافة إلى حضورها داخل "بريكس"، ما يعزز قدرتها على الربط بين الكتل الاقتصادية المختلفة.
وذكرت أن الدولة وقعت 26 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة تغطي أسواقاً تضم نحو 3 مليارات نسمة، كما تمتلك صناديق سيادية تتجاوز أصولها المدارة 1.5 تريليون دولار، فيما تمتد عمليات شركة "دي بي ورلد" إلى أكثر من 78 ميناءُ في 56 دولة، وهو ما وصفته بأنه نفوذ جيواقتصادي يتجاوز كونه مجرد أصول مالية أو تشغيلية. وأضافت أن قيمة التجارة غير النفطية بين الإمارات والصين بلغت 111.5 مليار دولار خلال 2025، ضمن مسار يستهدف الوصول إلى 300 مليار دولار بحلول 2030.
إعادة تشكيل النظام
وقالت الخزيمي إن العالم يشهد اليوم إعادة تشكيل شاملة للنظام الاقتصادي الدولي، موضحة أن النفوذ العالمي لم يعد يقاس بالحجم السكاني أو الجغرافي فقط، بل بالقدرة على صياغة القواعد الاقتصادية والتكنولوجية والمالية الجديدة.
وأوضحت أن الإمارات تتحول تدريجياُ من دولة متأثرة بالقواعد إلى دولة شريكة في تشكيل القواعد، عبر توظيف بنيتها التحتية، وأصولها السيادية، وشبكاتها الاستثمارية واللوجستية في تعزيز موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد.
وشددت على أن الإمارات أصبحت مركزاً إقليمياً للشركات العالمية، حيث تستضيف 76% من المقرات الإقليمية للشركات متعددة الجنسيات في الشرق الأوسط، كما احتلت المرتبة الثالثة عالمياً في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وفق تقرير شركة Kearney لعام 2025.
كما أشارت إلى أن الدولة تقود التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث بلغت نسبة تبني الذكاء الاصطناعي داخل القوى العاملة الإماراتية 70.1% وفق تقرير Microsoft AI Economy Institute للربع الأول من 2026، متقدمة على سنغافورة بسبع نقاط مئوية.
واختتمت بأن هذه المؤشرات تعكس نموذجا اقتصاديا جديدا وصفته بـالسيادة المنتجة، يقوم على إنتاج القيمة عبر المعرفة والبنية التحتية والربط العالمي، بدلا من الاقتصادات الريعية التقليدية.
كما شددت على أهمية بناء منظومة استثمارات سيادية متعددة الطبقات، وتصميم عقود وشراكات تتضمن نقاط تعافي إنتاجي لضمان استمرارية سلاسل التوريد والإنتاج خلال الأزمات.
ولفتت إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد منافسة عالمية متزايدة على صياغة القواعد الجديدة في مجالات المدفوعات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد، وهو ما يمنح الدول المرنة والمتصلة بالشبكات العالمية، وفي مقدمتها الإمارات، فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي خلال العقود المقبلة.