أهل الخير في خلوة الخير

توقفت كثيراً أمام العنوان وهو خلوة الخير، ودار حوار ذاتي داخلي، بشأن أهمية الخلوة كونها منهاج عمل، ومتى يكون وأسبابها ومآلاتها، ووجدتني أجيب: نعم، إن الخلوة في أبسط معانيها هي حالة ينقطع فيها الفرد عما يحيطه من أحداث وشواغل، ليتصل فيها مع حالة واحدة يقلبها، وينقطع إليها، كما العابد المتبتل، تصفو فيها النفس، ويروق الفكر، وتتضح الرؤية، لتشخص أمام صاحبها، وبخاصة المنفعل بها المتعايش معها، التي تأسره الحالة وتلازمه، هنا تجد الأفكار قد لمعت والحالة تبلورت والنفس ألهمت ما لم يكن في الحسبان، وأخرج الفرد من مكنون خزائنه ما لم يكن يتوقعه، هذا حال أصحاب الخلوات.

والنفس تحتاج إليها بين الحين والآخر لتقيّم أداءها وترى أين مقامها ومبتغاها، والحق أن سير المبدعين الذين أثروا حياة البشرية بما قدموه من فكر لم يكن ذلك يتم لولا حالات تأملية، خلوا فيها إلى أنفسهم، فكانت الأفكار وليدة التأمل لأيام وأيام، وسط الضجيج يصعب رؤية الفكرة بشكل رائق وأنيق، من هنا كان هذا المنهج العبقري لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حين يتعلق الأمر بحياة شعبه، فلا أفضل من أن تأتي الأفكار منهم، فما بالك إذا تعددت مصادرها، وتفاعلت في ما بينها، وصمدت الفكرة الأقوى أمام غيرها لتبقى في المشهد الأخير، ليتبناها الجميع، ويدفعوا بها لتكون واقعاً يتم تنفيذه، لكي يتحول العمل الخيري، كما أكد سموه، إلى «مسؤولية مشتركه، وأن دور الأفراد والمؤسسات تحويل عام الخير إلى منصة للعمل الدؤوب، لجعل الخير جزءاً من منظومتنا الوطنية».

ولا شك في أن أكبر ضمانه لهذه الحالة الخيرة، التي جبل عليها أبناء الإمارات استلهاماً من واضع بذرة الخير في الاتحاد، الذي قام على أهداف خيرة، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حتى صار نهجاً وسياسة دولة ترى قيمة الإنسان تتمثل في آثاره الطيبة، وصنيع الخير، وأن إدارة البلاد وشؤون الناس لا يكون إلا عبر دلهم والسير بهم في دروب الخير والنماء والنور والعطاء، تلك دروب النجباء أصحاب النفوس النقية، والقلوب الذكية الزاكية، والعقول النيرة التي ترى في محبة الناس وإسعادهم قيمة لا تدانيها قيمة.

ولا شك في أن وضع معايير الجودة والتميز في العمل الخيري والإنساني، ووجود منظومة متكاملة لعمل المؤسسات الإنسانية والتنسيق في ما بينها، له تأثير كبير في تعميق أثر العمل الخيري، والبعد به عن الجهود المتناثرة غير المؤثرة، ويؤسس لدائرة أوسع ورؤية متكاملة قادرة على تحديد أولوياته والميادين الأشد احتياجاً، وكيف يتحول العطاء الإنساني إلى عمل مستدام منتج قادر على الدفع الذاتي.

فضلاً على أن ابتكار آليات لتحفيز مجتمع الأعمال، للمساهمة بصورة فاعلة في التنمية، وتنمية الوعي لديه بفرض المساهمة التنموية والمجتمعية، يعزز من مفهوم المسؤولية الاجتماعية، التي تجعل لتلك المؤسسات ظهيراً مجتمعياً قادراً على مساندتها والنظر إليها كونها مواطناً صالحاً، وهو ضمانة لنجاح أعمالها، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

إن خلوة الخير بمثابة البيان العملي لتحويل المبادئ والقيم، التي نربي عليها أبناءنا، ونحملها في عقولنا وقلوبنا، إلى واقع عملي يلمس الأفراد آثاره في حياتهم اليومية، وهو الطريق الأمثل لتبنيها عبر القدوة والنموذج الذي يحتذى به، كما أنه من الأهمية بمكان توضيح مفهوم العمل الخير، ليكون أوسع وأشمل، باعتبار أن كل عمل تنموي يمس حياة الناس ويرتقي بها هو عمل إنساني «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».

إن اعتماد «الاستراتيجية التنموية للعمل الخيري 2021» للنهوض بالعمل الإنساني والخيري في الدولة، وفكرة تأسيس منظومة إحصائية لتحديد احتياجات العمل التنموي في الدولة بمثابة خريطة طريق، يمكن من خلالها التقييم من حين إلى آخر.

إن خلوة الخير التي دعي إليها، وتقدمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هي نداء ليس لأبناء الإمارات فقط، ولكن للإنسان أينما كان، مفادها أن خلوات الخير وأفعاله هي الأبقى والأنفع، وإذا كان هناك من يعمل لبث الكراهية والتنابذ بين البشر، فإن أهل الخير هم الأكثر، وخلوات الخير ستفتح أبوابها لينضم إليها كل يوم الكثير، فالخير هو الأصل وهو الأبقى أثراً والأطول عمراً، وإذا بدا أن للشر جولة فإن للخير جولات وجولات، وخاصة حينما يجتمع أهل الخير في خلوة الخير.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات