أزمة المناخ.. ماذاينتظر العالم في السنوات المقبلة؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

عادة ما ترسم التقارير والدراسات العلمية المختلفة صورة قاتمة حول المستقبل، لجهة تأثيرات عنيفة متوقعة لأزمة المناخ مع تسارع وتيرة الكوارث المناخية. من بينها على سبيل المثال تقرير نشره في وقت سابق المركز الوطني لبحوث التغيرات المناخية في ملبورن، تحدث عن سيناريو حرارة مميتة سنوياً، مع انهيار النظم البيئية ونزوح أكثر من مليار شخص، وغيرها من التطورات الدراماتيكية المحتملة، إن لم يتم اتخاذ إجراءات حاسمة على مساري التكيف والمواجهة. 

وبرغم الحراك الذي شهده العالم خلال العام 2022 بشأن قضية المناخ، وفي ظل تقدم ملحوظ لدبلوماسية المناخ والعمل الدولي في هذا الصدد، ومع التوصل لاختراق طال انتظاره في «COP 27» في مصر بإقرار مبدأ «الخسائر والأضرار» لدعم البلدان النامية من أجل التكيف مع تبعات التغير المناخي، إلا أن المهمة تبدو صعبة معقدة أمام عالم يطمح للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول العام 2050، ولكن هناك تفاؤل بقمة «COP 28» بدولة الإمارات باعتبارها قمة شديدة الأهمية، نظراً لحجم الملفات المطروحة على الطاولة.

كاثي بوغمان ماكليود، وهي مسؤولة بإحدى المؤسسات الأمريكية العاملة على بناء القدرة البشرية على الصمود في مواجهة تأثيرات المناخ، والتي شغلت سابقاً منصب المدير التنفيذي العالمي للمخاطر البيئية والاجتماعية في «بنك أوف أمريكا»، حذرت من سيناريو «سلبي» على المستوى القريب، أي خلال 2023، وذلك ضمن استطلاع لاستشراف المستقبل نشرته مؤسسة المجلس الأطلسي، وهي مؤسسة بحثية أمريكية مستقلة.

تشير التوقعات في تقديرها إلى أن: «هناك احتمال قوي في العام 2023 أن التركيز الجديد والمطلوب بشدة على المرونة المناخية والخسائر والأضرار سوف ينتج أثراً غير مقصود للتراجع عن التخفيف من تغير المناخ، وذلك على اعتبار أن النشاط الدولي على خطة تنفيذ صندوق الخسائر والأضرار قد يقلل الضغط على الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والانتقال إلى الطاقة النظيفة (لجهة الانشغال في قضية حسم إجراءات الصندوق)».

وتشير الخبيرة البيئية إلى أنه «إذا حضر مندوبو الدول والشركات مؤتمر «COP28» في الإمارات هذا العام مع التركيز على التكيف مع المناخ والخسائر والأضرار، ولكن من دون التزامات كبيرة لخفض الانبعاثات أيضاً، فسنعلم أن هذا السيناريو قد تحقق، وأن العالم في هذا القرن سيتجاوز متوسط زيادة في درجات الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي، والتي سعت الدول إلى تجنبها كجزء من التزاماتها في مؤتمر المناخ بباريس 2015».

لكنها في السياق نفسه، تتحدث عن إحدى الفرص التي قد تكون متوافرة في العام الحالي، والمتعلقة بمسار تمويل التكيف مع المناخ وتضاعف الجهود في هذا الصدد، بعد أن شهدت قمة المناخ الأخيرة في مصر «COP 27» تعهدات جديدة بأكثر من 230 مليون دولار لصندوق التكيف، من قبل الحكومات ووكالات التنمية لمساعدة البلدان على التكيف مع الأزمة.

وفيما يخصص أقل من 10 % من إجمالي تمويل المناخ حالياً لـ «التكيف»، فإن المسرح مهيأ لجعل العام 2023 عاماً تقدمياً تتضاعف فيه الاستثمارات في التكيف مع المناخ لتصل إلى ربع إجمالي التمويل المخصص، لاسيما مع انعقاد «COP28» في الإمارات.

 

تحولات تهدد الأهداف البيئية

«الصورة قاتمة»، هكذا يصف الخبير الأممي والمستشار الدولي للتنمية المستدامة، حسين أباظة، خلال حديثه مع «البيان» المشهد الراهن فيما يخص ملف التغير المناخي، وفي ضوء الأزمات التي تفرض نفسها على أجندة أولويات العالم، وتؤثر بشكل مباشر على الالتزامات الدولية بخصوص جهود التصدي لأزمة المناخ، وعلى رأس تلك الأزمات الحرب في أوكرانيا وتبعاتها.

يشير الخبير الدولي وكبير مستشاري وزارة البيئة في مصر، إلى أن انعكاسات الحرب في أوكرانيا، والتي فرضت ضغوطاً على الدول المانحة تحول دون التزامها بتعهداتها بدعم البلدان النامية بمبلغ 100 مليار دولار سنوياً للتصدي لأزمة المناخ، فضلاً عن عودة بعض الدول (مثل ألمانيا على سبيل المثال) لمناجم الفحم، بما لذلك كله من تأثيرات مباشرة على المناخ.

وبينما يشهد العالم انتقالاً مهماً من مرحلة التنافس إلى مرحلة التعاون في ملف المناخ، ليس فقط التعاون بين الدول الصناعية والبلدان النامية، إنما على مستوى التعاون فيما بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي، ضمن إجراءات التنسيق للتخفيف من حدة الأزمة، فإنه بموازاة ذلك، يأتي البحث العلمي على رأس أولويات هذا التعاون، جنباً إلى جنب وخطط التحول للطاقة المتجددة والاستثمار بها، لإحداث تحول جذري لتطبيقات الترشيد في استخدامات الطاقة المتجددة في شتى الأنشطة.

لكن في موازاة ذلك، يلفت أباظة إلى أن هذه التحولات المطلوبة والضرورية تسير بصورة بطيئة وفي خضم جملة من التحديات التي تفرضها الأزمات التي يشهدها العالم، الأمر الذي يعطل تحقيق أهداف الحد من الانبعاثات، ويعطل تحقيق أهداف التنمية المستدامة على المستوى العالمي.

يشير أباظة في ختام حديثه مع «البيان» إلى الأزمات التي تتقاذف الدول المانحة، والتي تعاني من مشكلات داخلية (على وقع التطورات الجيوسياسية الأخيرة)، والتي دفعتها لتقديم حزم تحفيزية لتنشيط اقتصادها مع دخولها في ركود تضخمي، وبالتالي فإن تلك التحديات تؤثر بشكل مباشر على التزامات هذه الدول - الأكثر تسبباً في الانبعاثات - إزاء أزمة المناخ.

لكن على الجهة الأخرى، فإن فاتورة أزمة المناخ الاقتصادية هي فاتورة باهظة من الصعب تعويضها. وتشير التقارير إلى أن الاقتصاد العالمي مهدد بخسارة 23 تريليون دولار بحلول العام 2050 بسبب تغير المناخ. وطبقاً لتقرير صادر عن مؤسسة ماعت بالقاهرة، فإن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تغير المناخ بلغت 72 مليار دولار في النصف الأول من العام الماضي 2022.

 

نقطة مضيئة

رئيس مركز معلومات المناخ بالقاهرة، محمد علي فهيم، يقول في حديثه مع «البيان» إن العالم على موعد مع زيادة في وتيرة التغيرات المناخية بشكلها الآني، على أن يزداد عنف تلك الظواهر نحو ارتفاع وتيرة الاحترار العالمي، وكذلك مستويات غير مسبوقة من الأمطار والسيول والأعاصير، ومختلف أوجه وآثار التغير المناخي.

ويضيف: «هذا التطور السريع لتلك الظواهر المناخية الجامحة صار يهدد بشكل كبير مناطق مناخية معتدلة، كان ينظر إليها حتى وقت قريب على أنها بعيدة بصورة نسبية عن تلك الظواهر والهزات المناخية العنيفة، من بينها أوروبا، والتي صارت تعاني بشكل واضح من آثار تلك التغيرات، بعد أن كانت تظن أنها في مأمن حتى حدث ما لا يحمد عقباه، وظهرت خطورة تلك التأثيرات بشكل واضح، ورأينا في العام 2022 عديداً من التغيرات، على سبيل المثال جفاف بعض الأنهار».

وبحسب الخبير البيئي، فإن «النقطة المضيئة» وسط هذا المشهد شديد الخطورة، هو ما تم التوصل إليه بخصوص مبدأ «الخسائر والأضرار» والاتفاق على إنشاء صندوق تمويل الخسائر والأضرار في قمة شرم الشيخ، لتمويل الدول المتضررة، ويتوقع في الوقت الحالي وحتى موعد انعقاد «COP 28» بدولة الإمارات، أن يتم الاتفاق على آلية عمل الصندوق، وكيف سيتم ضخ الأموال فيه، لتكون تلك هي الحسنة الإيجابية حتى الآن بعد عديد من السنوات المهدرة، ولتدفع الدول الكبرى فاتورة ما سببته من أضرار، سواء في شكل أموال أم من خلال تصدير التكنولوجيا أو استثمارات في قطاعات خضراء.

وفي هذا الإطار، ينظر إلى «COP 28» بدولة الإمارات باعتبارها قمة شديدة الأهمية، نظراً لحجم الملفات المطروحة على الطاولة. وطبقاً لفهمي، فإنه من المتوقع أن تشهد قمة مؤتمر الأطراف المقبلة توجهاً ضد استخدام الفحم مع الإشارة إلى أن أحد مخرجات غلاسكو وشرم الشيخ أن يكون هناك تقليص تدريجي في استخدام الفحم.

ويعتقد رئيس مركز معلومات المناخ التابع لوزارة الزراعة المصرية، في هذا السياق، أن الظروف الاقتصادية والأزمات التي يشهدها العالم من غير المتوقع معها أن يكون هناك شكل مناسب من أشكال التعرض لأنواع الوقود الأخرى، لا سيما في ضوء وجود اعتراضات ربما منطقية من قبل عدد من الدول. بينما على الجانب الآخر تظل الدول النامية هي التي تدفع الفاتورة باهظة، وتحديداً دول أفريقيا، فهي دول لم تشارك سوى بنسبة 4 % من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بينما تتحمل الكلفة الأكبر من آثار تغير المناخ.

تشير تقديرات الاتحاد الأفريقي إلى أن القارة بحاجة إلى 200 مليار دولار لمواجهة تداعيات تغير المناخ، ومن أجل تحقيق الأهداف البيئية المرجوة. وتواجه دول القارة جملة من التحديات الوجودية جراء أزمة تغير المناخ، بما في ذلك مخاطر المجاعة والنزوح وتفاقم الصراعات وانتشار الأوبئة وغيرها من العوامل في قارة حبلى بالأزمات المعقدة والمتزامنة.

 

خطوة للمستقبل

في الوقت الحالي يتجه المفوضون المعنيون بملف تغير المناخ لبذل جهود قبيل انعقاد الدورة المقبلة من مؤتمر الأطراف بالإمارات. تتعلق بحسم الملفات المرتبطة بالإجراءات التنفيذية والمسائل المعلقة بالنسبة لصندوق الخسائر والأضرار الذي تم الاتفاق عليه من حيث المبدأ خلال «COP 27».

يشير أستاذ اقتصاديات البيئة بالقاهرة علاء سرحان، في حديثه مع «البيان»، إلى أن العمل المناخي خلال السنوات الماضية مر بمحطات تاريخية فاصلة، تشكل مرجعيات خاصة في هذا السياق، بدءاً من اتفاقية كيوتو الإطارية في العام 1992 ومروراً باتفاق باريس للمناخ في العام 2015، وانضمت مخرجات «كوب 27» أخيراً إلى قائمة العلامات الفارقة في تاريخ العمل الخاص بالتغيرات المناخية على صعيد المجتمع الدولي.يلفت سرحان بالأساس إلى مبدأ الخسائر والأضرار الذي تم إقراره خلال المؤتمر، بعد سنوات كانت تناقش فيها الفكرة في أروقة العمل المناخي دون أن يتم إدراجها كبند رسمي في المفاوضات، بسبب تعنت الدول الصناعية الكبرى المسؤولة عن الانبعاثات ورفضها الإقرار بمسؤوليتها التاريخية في هذا السياق، قبل أن تنجح الرئاسة المصرية للمؤتمر في إدراجه كبند رسمي على جدول الأعمال، والخروج باتفاق على مبدأ تمويل الخسائر والأضرار، وإنشاء صندوق بهذا الغرض، لكن دون الإشارة لمسألة المسؤولية التاريخية.

يرتبط الصندوق بشكل مباشر ارتباطاً وثيقاً بمبدأ «العدالة المناخية»، لاسيما بالنظر إلى أن الدول الأكثر هشاشة في مواجهة التغيرات المناخية تتحمل خسائر وأضراراً أكبر من مساهمتها المحدودة في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، ومن ثم يعتبر إقرار مبدأ الخسائر والأضرار اختراقاً تاريخياً مهماً، بحسب سرحان.

ويوضح الخبير البيئي في الوقت نفسه أن هناك مجموعة عمل تنظر في الإجراءات التنفيذية الخاصة بالصندوق، ومختلف الموضوعات التي لم يتم الاتفاق عليها، وسيتم عرض مخرجات تلك الاجتماعات على مؤتمر الأطراف المقبل.

ويحدد أستاذ اقتصاديات البيئة الملفات والتساؤلات التي يجرى العمل على حسمها خلال اجتماعات الفريق المذكور، وفي مقدمتها (كيف سيتم تحديد الذين يقومون بالمساهمة في الصندوق؟) هل على أساس المسؤولية التاريخية عن الانبعاثات أو بناءً على حجم الانبعاثات الحالي، والموقف بالنسبة لدول مصنفة على أنها دول نامية (بسبب عدد السكان) وتشارك في الانبعاثات بشكل كبير في الوقت الحالي، وغيرها من التساؤلات. كذلك من بين التساؤلات الرئيسية: كيف يمكن حساب وتصنيف الأضرار، في ضوء وجود خسائر من الصعب تقديرها؟

وأيضاً ما هي أشكال التعويضات، هل نقدية أم على شكل تأمين من خلال المؤسسات المالية الدولية؟ أم في شكل مبادلة ديون؟ وكذلك هل تستبدل التعويضات المساعدات الإنسانية؟

ويتابع: نأمل أن يكون هناك إجماع لحسم تلك القضايا، وأن يتم تقديم رؤية مستوفية جميع الأمور أمام مؤتمر الأطراف المقبل، لأهمية الصندوق كخطوة للمستقبل من أجل العدالة المناخية.

ومن بين المعوقات التي تواجه تحقيق الأهداف البيئية أيضاً وبما يؤثر على خطط التحول الأخضر التي تتبناها عديد من الدول حول العالم، المصالح السياسية والاقتصادية لعديد من الدول والتي قد تبطئ عملية التحول بشكل أو بآخر.

وتشير أحدث تقارير شركة أبحاث الطاقة ريستاد إنرجي، إلى ارتفاع متوقع نسبته 10 % بالإنفاق على مشروعات منخفضة الكربون في 2023 لتصل إلى 620 مليار دولار.

 

من جانبه، يقول الرئيس التنفيذي لمركز كروم للدراسات الاستراتيجية في لندن، طارق الرفاعي، في حديثه مع «البيان» إنه بالنسبة لدول منطقة اليورو وبريطانيا، فإنها تدعم بشكل أساسي الطاقة البديلة والمتجددة، وتستمر في هذا الاتجاه، لافتاً إلى اتجاه الشركات الكبرى هناك، بما في ذلك شركات نفطية كبرى، في الاستثمار بشكل أساسي في الطاقة البديلة، وهي سياسة لن تتغير في السنوات المقبلة، ضمن الأهداف المناخية.

لكن في المقابل، يسلط الضوء على تبعات أزمة الحرب في أوكرانيا، وفي ضوء اعتماد دول أوروبا على واردات الغاز الروسي، فقد لجأت عدد من الدول إلى الارتداد عن أهدافها المناخية عبر إعادة العمل لتوليد الطاقة من الفحم تحت وطأة أزمة الطاقة التي تعاني منها تلك الدول ونقص الإمدادات، وهو ما يعد ابتعاداً عن الأهداف المناخية.

عادة ما ترسم التقارير والدراسات العلمية المختلفة صورة قاتمة حول المستقبل، لجهة تأثيرات عنيفة متوقعة لأزمة المناخ مع تسارع وتيرة الكوارث المناخية. من بينها على سبيل المثال تقرير نشره في وقت سابق المركز الوطني لبحوث التغيرات المناخية في ملبورن، تحدث عن سيناريو حرارة مميتة سنوياً، مع انهيار النظم البيئية ونزوح أكثر من مليار شخص، وغيرها من التطورات الدراماتيكية المحتملة، إن لم يتم اتخاذ إجراءات حاسمة على مساري التكيف والمواجهة.

وبرغم الحراك الذي شهده العالم خلال العام 2022 بشأن قضية المناخ، وفي ظل تقدم ملحوظ لدبلوماسية المناخ والعمل الدولي في هذا الصدد، ومع التوصل لاختراق طال انتظاره في «COP 27» في مصر بإقرار مبدأ «الخسائر والأضرار» لدعم البلدان النامية من أجل التكيف مع تبعات التغير المناخي، إلا أن المهمة تبدو صعبة معقدة أمام عالم يطمح للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول العام 2050، ولكن هناك تفاؤل بقمة «COP 28» بدولة الإمارات باعتبارها قمة شديدة الأهمية، نظراً لحجم الملفات المطروحة على الطاولة.

 

هل يمكن الوصول إلى صفر كربون في 2050؟

تشير تقديرات الأمم المتحدة، إلى أن العالم بحاجة إلى استثمارات بقيمة 4 تريليونات دولار سنوياً في الطاقة المتجددة حتى العام 2030 للوصول إلى «صفر انبعاثات» بحلول العام 2050. كما يمكن أن يوفر الاستثمار في الطاقة المتجددة والحد من التلوث بحلول العام نفسه ما يصل إلى 4.2 تريليونات دولار سنوياً.

وبخصوص البلدان النامية بشكل خاص، يقول البنك الدولي إن استثمار 1.4 % في المتوسط من إجمالي الناتج المحلي سنوياً يمكن أن يخفض الانبعاثات فيها بنسبة 70 % بحلول 2050، فضلاً عن تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات.

كما تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية، إلى ارتفاع متوقع نسبته 50 % باستثمارات الطاقة المتجددة مقارنة بالمعدلات بحلول العام 2030. رئيس المجلس العالمي للاقتصاد الأخضر وكبير مستشاري الطاقة بالصندوق العالمي للتنمية المتحدة بالأمم المتحدة، محمد جمال كفافي، لا يعتقد بتأثير طويل الأجل لاتجاه دول أوروبية للعودة للاعتماد على الفحم لتوليد الطاقة، أو أن يؤثر ذلك على مسار الاستثمارات في قطاعات الطاقات النظيفة والمتجددة، على اعتبار أن «أزمة الطاقة الحالية لا يمكن أن تكون معبرة عن الاتجاهات المستقبلية.. هي أزمة وسوف تمر على أية حال.. الحرب العالمية الأولى والثانية مرتا، وحتماً سوف تنتهي الحرب الراهنة في أوكرانيا، وعليه لا يمكن اعتماد الوضع الراهن كاتجاهات عالمية ضد مسار التحول الأخضر». طبقاً لكفافي، خلال حديثه مع «البيان»، فإن «التوسع في استثمارات الطاقة النظيفة ليس خياراً أو رفاهية، بل ضرورة حتمية، فهي طاقات من أجل المستقبل ومن أجل الحياة»، متوقعاً مساراً متصاعداً للاستثمار في تلك القطاعات، دون أن تتأثر على الأجل الطويل بالأزمة الاقتصادية الراهنة أو التطورات الجيوسياسية التي حتماً ما سوف تمر.

ويردف رئيس المجلس العالمي للاقتصاد الأخضر: «الطاقات النظيفة والمتجددة هي الرهان المقبل، وبما يتطلب التوسع في استثمارات البنية التحتية المرتبطة بها، من أجل البقاء والرخاء، وتحقيق الأهداف البيئية للوصول إلى صفر كربون (تحييد أثر الكربون بحلول 2050).

وبموازاة ذلك، يشير إلى الاتجاه إلى الاستثمار في الطاقة النووية، والتي تعتبر من الطاقات النظيفة غير المتجددة، التي يراهن عليها العالم، (وقد اتجهت دول أوروبية في سياق أزمة الطاقة حالياً إلى إعادة تشغيل المفاعلات النووية لإنتاج الكهرباء)، وبشكل خاص أن تلك الطاقة لا تصدر عنها انبعاثات. ويعتقد كبير مستشاري الطاقة بالصندوق العالمي للتنمية المتحدة بالأمم المتحدة، أن المشكلة الأساسية التي تواجه الاستثمار في الطاقات النظيفة والمتجددة هي عادة ما تكون مشكلة تمويل بالأساس، بينما عوائدها في الوقت نفسه كبيرة على البيئة، وفي ظل التوجه العالمي لتحقيق صفر انبعاثات، كما أن عوائدها هائلة على الاقتصادات، ذلك أنها تدر أرباحاً عالية.

 

استطلاع: الوصول إلى هدف 1.5 درجة يتقلص إلى النصف

في مسح شارك فيه مجموعة من الخبراء الدوليين، نشرت نتائجه في الأسبوع الأول من العام الجاري، عن مركز الاستراتيجيات والأمن، قدم مجموعة من التوقعات المرتبطة بأزمة المناخ خلال عقد من الزمن حتى العام 2033، استهلها بالإشارة إلى زيادة التعاون الدولي في هذا المجال، وترجيحات بأن يكون للحركات البيئية التأثير السياسي الأكبر في جميع أنحاء العالم على مدى السنوات العشر المقبلة. وتطرقت النتائج إلى تقديرات وكالة الطاقة الدولية أخيراً، والتي حذرت من أن العالم سوف يبلغ ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في 2025. وأقرت الوكالة بوجود فجوة كبيرة بين أهداف خفض الانبعاثات المعلنة للبلدان والهدف المتمثل في تثبيت متوسط الارتفاع في درجة الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.

لكن تقديرات الخبراء الذين تمت الاستعانة بهم في الاستطلاع، رجحت أن تبلغ الانبعاثات ذروتها، لكنها تبدأ في الانخفاض بعد ذلك بحلول 2033، مرجعين ذلك إلى تواصل التقدم المحرز في الأبحاث العلمية المرتبطة بالغلاف الجوي، والتي قد تساعد بشكل كبير على الحد من تأثيرات تغير المناخ في العقد المقبل.

وفي السياق، تشير الدراسات إلى أنه إذا استمرت معدلات الانبعاثات على المستويات نفسها التي سجلها العام 2022 فإن الوصول إلى هدف 1.5 درجة يتقلص إلى النصف.

وطبقاً لتقرير المخاطر العالمية للعام 2023 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإنه على مدى السنوات العشر المقبلة يؤدي الافتقار إلى التخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف معه، إلى تبعات كارثية، حيث ينظر إلى فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية على أنه أحد أسرع المخاطر العالمية خلال العقد المقبل.

 

 

طباعة Email