ألقت حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تشهدها ليبيا منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، بظلالها على الأوضاع المعيشية بشكل حاد، وهو ما عبّرت عنه عديد من التحركات الاحتجاجية التي عرفتها البلاد وهددت بدورها الشريان الاقتصادي الأهم، وهو النفط، حيث المنشآت الطاقوية التي عادة ما كانت هدفاً دائماً للمحتجين الذين يستخدمونها كوسيلة لـ«الضغط» من أجل لفت الانتباه إلى مطالبهم وإجبار السلطات المعنية على تنفيذها.
شل حركة إنتاج النفط في عدد من الحقول بعد إغلاقها كان مشهداً معتاداً في ليبيا في السنوات الأخيرة، الأمر الذي أثر بدوره في المصدر الرئيس للدخل في البلاد، وفي حجم الإنتاج، وبما لذلك من تداعيات وخيمة.
الأيام القليلة الماضية كانت حافلة بتلك التطورات الواسعة، التي أفضت إلى وقف الإنتاج في حقل الشرارة، وهو من أهم الحقول في البلاد، وبما ترتب عليه من تراجع الإنتاج الليبي من النفط إلى ما دون مليون برميل يومياً، طبقاً لبيانات صادرة عن وزير النفط الليبي محمد عون، الذي تحدث عن تداعيات إغلاق المحتجين هذا الحقل الذي ينتج 300 ألف برميل يومياً، ومع إعلان حالة القوة القاهرة فيه.
وفيما سعت الحكومة الليبية إلى الوصول بمعدلات إنتاج النفط اليومية إلى 1.3 مليون برميل يومياً في السنة الماضية 2023 إلا أن الإنتاج الفعلي بلغ قرابة 1.2 مليون برميل، في وقت تخطط فيه المؤسسة الوطنية للنفط إلى رفع معدلات الإنتاج إلى مليوني برميل بحلول سنة 2030، غير أن تلك الإشكالات تقف عقبة في طريق الوصول إلى المستهدفات الطموحة.
وتزامن مع ذلك تهديدات محتجين بغلق منشأتين للنفط (مجمع مليتة ومصفاة الزاوية) ووضع مهلة من أجل تنفيذ مطالبهم التي تضمنت إقالة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، بخلاف المطالب التنموية الخاصة بهم.
وأشار رئيس النقابة العامة للنفط والغاز، سالم الرميح، إلى أن تلك المطالب تشكل حقوقاً طبيعية لأهالي المنطقة، وكذلك المناطق الأخرى في الغرب والتي تشهد احتجاجات مماثلة من أجل تحسين الأوضاع، غير أنه شدد على أهمية الابتعاد عن حقول النفط لما تُشكله من مصدر رئيس للدخل في ليبيا، مع أهمية تحرك الجهات المعنيّة بتلبية طلبات الأهالي في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يواجهونها ومع الأزمات المرتبطة بالبنية التحتية هناك، بما يتضمن المدارس والمستشفيات.
وكانت وزارة النفط والغاز في ليبيا قد حذرت في بيان لها مطلع العام الجاري من مدى ما تشكله إغلاقات حقول النفط من تأثيرات في ديمومة تزويد السوق العالمية النفط الليبي.
ومن القاهرة، يوضح المحلل الليبي مدير مركز الأمة، محمد الأسمر، أن ما وصفه بـ«الحالة الاقتصادية المتردية وحالة الفقر» التي يعانيها طيف كبير من الشعب الليبي تجعل الليبيين يستخدمون أدوات الضغط كافة للحصول على حقهم الطبيعي من الإمكانات والثروات.
ويضيف إن المعطى الإضافي في هذه الفترة هو ما يتعلق بطرح مسألة رفع الدعم عن المحروقات، وهو ما أثار جدلاً في الشارع الليبي، وعلى الرغم من أن هذا الجدل والرفض لم يُترجما بصورة حراك واسع لأن الأعيان والمناطق قاموا بالتهدئة لحين اتضاح الرؤية وخاصة أن الحكومة قالت إنها سوف تقوم من جانبها بتشكيل لجنة للحوار واستبيان الأمر، وذلك في إشارة إلى أنه من شأن تلك التطورات أن يفاقم الأزمات الداخلية والتحديات التي تقع على عاتق المواطن الليبي، وبصفة خاصة الفئات الأكثر ضعفاً.
