قبل أن يرمي العام الفائت آخر أوراقه كان قد فتح ملحقاً جديداً في الأجواء الإقليمية والدولية، ومفاده اقتراب دخول لبنان في تفاوض مفصل، بما يتعلق بكيفية تطبيق القرار الأممي 1701، وذلك وفق مسارين: الأول، هو وقف المواجهات وإرساء التهدئة جنوباً، ربطاً بمسار الترسيم البري، الذي اقترحه المبعوث الأمريكي آموس هوكشتاين، فيما الثاني هو المسار السياسي، وفقاً للتصور الأمريكي، والمتعلق بالحديث عن انسحاب إسرائيل من النقاط الـ 13 المتنازع عليها مع لبنان.

واستباقاً لمفاوضات تسوية تقودها الولايات المتحدة لتطبيق القرار 1701 لنزع فتيل النزاع على حدود لبنان الجنوبية، ترددت معلومات، مفادها اعتزام البيت الأبيض إعادة إيفاد هوكشتاين الى بيروت، في موعد لم يتحدد بعد، لإحياء جهوده في شأن ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل، وذلك في سياق محاولة تبريد المواجهات، والشروع في وساطة جدية، تعيد زمام الأمور إلى الدبلوماسية، علماً بأن الموفد الرئاسي الأمريكي لم يعرج على بيروت، كما كان متوقعاً، بعد زيارته الأخيرة تل أبيب، لكن مجيئه وارد استناداً إلى أجواء المسؤولين، وتحديداً رئيس مجلس النواب نبيه بري، ذلك أن الأخير، ووفق المعلومات، ينتظر رجوع المسؤول الأمريكي حاملاً في جعبته خطة مفصلة لترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل، من «رأس الناقورة» إلى «شبعا»، تشكل مدخلاً وخاتمة للوضع المتفجر جنوباً، وتكون بمثابة الإنجاز الثاني لهوكشتاين، بعد نجاحه سابقاً في الترسيم البحري بين البلدين.

من جهة أخرى ترددت معلومات مفادها وجود توجه غربي جديد لإقامة منطقة منزوعة السلاح، تطال جنوب نهر الليطاني، بحيث تتولى قوات «اليونيفيل» وحدها مسؤولية هذه المنطقة، إضافة إلى انتشار هذه القوات على «الخط الأزرق» وإبعاد «حزب الله» عن الحدود، فيما تبقى المسارات العاملة على خط الوصول إلى اتفاق في هذا الشأن موزعة بين باريس وواشنطن.

وفي انتظار عودة هوكشتاين إلى لبنان شغلت الزيارة التي يقوم بها الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، لبيروت المشهد الداخلي، وذلك من بوابة كونها تكتسب دلالات بارزة لأعلى مسؤول في الاتحاد الأوروبي لبيروت، منذ زمن غير قصير، في حين أوضحت بعثة الاتحاد الأوروبي في بيروت أن زيارة بوريل، التي بدأت أمس، وتنتهي اليوم، تشكل مناسبة لمناقشة جميع جوانب الوضع في غزة وحولها، بما في ذلك تأثيره على المنطقة، ولا سيما الوضع على الحدود الجنوبية، فضلاً عن أهمية تجنب التصعيد الإقليمي، علماً بأن الأخير، وخلال جولته على المسؤولين أمس، أبدى قلقه الكبير من استمرار الحرب على قطاع غزة، وحرصه على عدم توسعها باتجاه لبنان، وشدد على وجوب أن تكون الأولوية هي لوقف الحرب على قطاع غزة كـ«مدخل لعودة الهدوء إلى لبنان»، و«حينها يسهل البحث بتطبيق كامل لمدرجات القرار 1701»، وفق قوله.

في المقابل جدد الرئيس بري لبوريل التأكيد على التزام لبنان بالشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة، لا سيما منها القرار 1701، فيما قال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي: «نحن طلاب سلام لا دعاة حرب»، مشيراً إلى أن «أي تفجير واسع النطاق في جنوب لبنان سيقود المنطقة إلى تفجير شامل».

ووسط هذه الأجواء أشارت مصادر سياسية مطلعة لـ«البيان» إلى أن واشنطن فوضت باريس للعب دور على مستوى تطبيق القرار 1701 كاملاً، وإبعاد «حزب الله» لما بعد نهر الليطاني، وذلك مقابل تسوية للنقاط الحدودية العالقة جنوباً، وانسحاب إسرائيلي من تلال كفرشوبا ومزارعها، ومن بلدة الغجر، إضافة إلى توسيع مهام «اليونيفيل»، كأن تنتشر قوات فرنسية مع الجيش اللبناني وصولاً إلى «الليطاني»، مقابل انتشار قوات أمريكية في الجانب الإسرائيلي، بما يؤدي إلى وقف النزاع العسكري بين البلدين.

وفي المحصلة فإن الثابت من المعلومات التي رشحت مؤخراً وجود رغبة أمريكية- فرنسية مشتركة بدفع لبنان نحو توقيع اتفاق ترسيم بري مع إسرائيل. ولهذه الغاية، ووفق ما يتردد، لا بد من أن تلجأ الإدارة الأمريكية إلى ممارسة المزيد من الضغوط المتنوعة، تثبيتاً لما تسعى إليه.