لم تتوقف الدعوات الحازمة إلى تحييد لبنان عن الحرب الدائرة في غزة، واتخذت هذه المرة منحى جديداً، تمثل في موقف دول «يونيفيل»، مما سمته «الانتهاك الفاضح» لالتزامات لبنان بموجب القرار الدولي 1701، الذي أنهى حرب يوليو 2006، فيما بدا لافتاً لمراقبين أن الخشية من انهيار المعادلة الدولية، المتجسدة في «رعاية» القرار 1701 للوضع في الجنوب، منذ عام 2006، بدأت تتسع باطراد، وتفرض ارتفاع صوت لبنان الرسمي حيال هذا الخطر، الذي لم يعد مجرد احتمال، بل إن تطورات الحرب الجارية تنذر فعلياً بتحول «يونيفيل»، الأداة التنفيذية الأممية للقرار الدولي، إلى شاهد زور عاجز عن أي تأثير فاعل.

ووسط الاحتدام الميداني الآخذ بالتصاعد، ولو على إيقاع لا يزال يرسم معادلة تحتمل اشتعال المواجهة الكبيرة في أي ظرف، تستبعد تلك المواجهة وتبقي الوضع عند حدود المواجهات الجارية منذ 21 يوماً، كان لافتاً اندفاع كل من رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، ورئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، ووزير خارجيته، عبدالله بوحبيب، في الأيام الأخيرة، إلى التشديد على لازمة التمسك والالتزام بالقرارات الدولية، لا سيما القرار 1701، الذي اتخذه مجلس الأمن بالإجماع يوم 11 أغسطس 2006، ووافقت عليه الحكومة اللبنانية بالإجماع، في اليوم التالي، وكان الهدف منه «حل النزاع اللبناني - الإسرائيلي».

تزامناً ترددت معلومات مفادها بأن وزراء الخارجية، والدفاع، وسفراء الدول، التي تشارك في القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل»، حملوا الدولة اللبنانية مباشرة المسؤولية عن أمن ضباطها، وجنودها، وسلامتهم، تعبيراً عن خشية متعاظمة من تعرض هذه القوات لاعتداءات من جماعات مسلحة تنشط في منطقة الجنوب وسط عجز الدولة اللبنانية عن ردعها.

ذلك وسط اتجاه دول عدة منها إلى سحب قواتها أو خفض عديدها إلى أدنى حد، وفق ما يتردد، علماً بأن بدء سحب وحدات من هذه القوات، وفق تقدير مصادر سياسية معنية، سيكون مؤشراً سلبياً جداً إلى أن الأمور ذاهبة في الجنوب لأسوأ مما كانت عليه قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فماذا في المعطيات الدبلوماسية الجديدة حول انتهاكات القرار 1701؟

مخاوف مشروعة

في معرض الإجابة عن هذا السؤال، الذي لم يأتِ من العدم، بل اقتضاه فعل الخروق الكبيرة، التي يشهدها الجنوب للقرار 1701، ثمة إجماع على حرص لبنان الرسمي وتأكيد تمسكه بالقرار 1701، عززه تكرار مندوب لبنان في الأمم المتحدة الموقف ذاته، خلال جلسة مجلس الأمن ، الأخيرة، التي خصصت لمناقشة أحداث غزة، إذ قال: «نؤكد التزامنا الكامل بالشرعية الدولية»، فيما لفت قائد الجيش، العماد جوزيف عون، إلى ضرورة «استمرار التنسيق الوثيق بين الجيش واليونيفيل، ضمن إطار القرار الدولي 1701».

أما على الجانب الآخر ، ثمة قلق كبير ومشروع من تقرير الدول، التي أرسلت قوات «يونيفيل» إلى لبنان، بعد 2006، سحبها من الجنوب اللبناني، نظراً إلى حجم المواجهات الدائرة في المنطقة، التي باتت تهدد عناصر القوة الدولية من جهة، وإلى مدى الانتهاكات التي يتعرض لها القرار 1701، حيث يبدو على الأرض، وفق تأكيد مصادر متابعة، أن لا أثر له، وأن أي من الجهات المتصارعة لا تعيره اعتباراً أو أهمية، مع إشارتها إلى أن ما عزز المخاوف الرسمية حيال هذا الشأن تمثل بالمواقف، التي أطلقها وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، من بيروت الأسبوع الماضي، التي حذر فيها من مخاطر سحب بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وقال لصحافيين: إن خفض أو سحب قوات «يونيفيل» سيكون «إشارة خطأ» في هذا التوقيت.