أقفل الأسبوع الماضي في لبنان على مشهد مجريات الجلسة النيابيّة التي خُصِّصت لمناقشة رسالة الرئيس ميشال عون إلى مجلس النواب حول ملف تأخير تشكيل الحكومة الجديدة، فيما انشغل الداخل السياسي بقراءة مضامين ما جاء على لسان رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، والذي تجاوز إطار الردّ، ليصبّ في خانة مساءلة العهد في ملفّ تعطيل التأليف الحكومي، وليخلص إلى القول: «لن أشكّل حكومة كما يريدها فريق الرئيس، ولا كما يريدها أيّ سياسي بعينه، ولن أستجيب للعنعنات الطائفيّة، ولست مستعدّاً لأكون شريكاً في أيّ إخلال دستوري».

وكان مسرح «أونيسكو» في بيروت، أوّل من أمس، خشبةً لعرْض سياسي بفصول مكرّرة، وكانت جلسة البرلمان الأولى من نوعها من ناحية مناقشة رسالة رئيس جمهورية، تتعلّق بتأخّر تأليف الحكومة وتتّهم الرئيس المكلّف بالتأخير، فيما كانت كلمة الحريري الحدث الذي أخرج جلسة مناقشة الرسالة الرئاسيّة عن كلّ التقديرات العاديّة التي سبقتها.

أمّا ستارة المسرح، فأُسدِلت على رسالة نيابيّة مرتجعة إلى رئيس الجمهورية، مفادها أنّ مجلس النواب لن يعدّل الدستور، ولن يغيّر في وقائع التكليف.

وفي المحصّلة، فات قطوع المواجهة السياسيّة، وتجاوز مجلس النواب الغرق في تفسير الدستور وتأويله، في حين ارتفع منسوب الكلام عن استمرار المعركة السياسيّة في الخارج، وخصوصاً بعد الموقف مرتفع السقف للرئيس المكلّف وتحميله رئيس الجمهورية مسؤوليّة تعطيل الدستور وتجاوزه.

وعليه، خلص الأمر إلى الصورة الآتية: عوْد على بدْء، كأنّ التكليف بدأ اليوم. أمّا المضمون الحازم للموقف الذي صدر عن المجلس، وبحسب القراءات المتعدّدة، فثبّت من دون أدنى شكّ تكليف الحريري، كما ثبّت رفض أيّ اتجاه لتعديل الدستور، في معرض الردّ المباشر على الإيحاءات التي تركتها الرسالة الرئاسيّة.

وفي الخلاصة، جاء الموقف النيابي سياسيّاً يلائم الجميع: «استمرار مساعي الرئيس المكلّف لتشكيل الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية، وذلك وفق الصيغة اللبنانيّة المعهودة لا غالب، ولا مغلوب».

وفي الانتظار، ضجّت القراءات السياسيّة بتقييم جلسة مناقشة رسالة رئيس الجمهورية، ومقاربتها من عدّة جهات وعناوين، فكان شبه إجماع على أنّها، بقيمتها الدستوريّة، كانت «كارثيّة»، إذْ استُخدِم الدستور فيها كسلاح وليس كعلاج، وهذا ما ظهر «فاقعاً» في الدوافع التي كمنت وراء كتابة الرسالة الرئاسيّة، إذْ كانت دستوريّة، ولكنّها إقصائيّة صداميّة، بدليل أنّها «انفجرت» حينما اصطدمت بجدران الموزاييك المجلسي غير المتعاطف. هذا من جهة.

أمّا لجهة الحضور والغياب، فأشارت القراءات إلى أنّ الهمّ الوطني لم يكن همّ الحاضرين، بدليل تغليب المتساجلين المصالح الخاصّة على المصلحة العامة، في حين برز الغياب المدوّي للّبنانيين الذين لم يرفعوا أصواتهم في وجه منظومة لا تزال تتاجر بمصائرهم.

وبناءً عليه، كان ثمّة إجماع على أنّ السلطة خرجت بأقلّ الأضرار الممكنة، وعلى أنّ الرئيس عون كان «الخاسر الأكبر»، إذْ أحرق آخر أوراقه الدستوريّة باحتراق صفحات رسالته، في حين ربح الرئيس المكلّف، بمطالعته، شخصيّاً وسنيّاً، ولكنّه في الوقت عينه أحرق كلّ مراكب التلاقي مع رئيس الجمهورية. كما ربح المجلس النيابي، شكليّاً، من خلال محافظته على موقعه «الرمادي»، ليس مرجعيّة تشريعيّة، بل كحلبة قتال بديلة من الاقتتال في الشارع.

أمّا الخاسر الأكبر، فهو لبنان الدولة والمؤسّسات، وقد صار «أسير» لعنتيْن: لعنة الخروج من المؤسّسات وعليها، ولعنة التقاء المتحكّمين في المؤسّسات على تدميرها من الداخل. الأولى تضعه على حفافي الحرب، والثانية تضعه في مصاف الدول الفاشلة غير المهيّأة لحكم نفسها بنفسها.