ليلة النصف من شعبان.. فضلها والدعاء المستحب فيها

ت + ت - الحجم الطبيعي

يعتقد كثيرٌ من المسلمين أنَّ لشهر شعبان ميزةً خاصّةً وعباداتٍ منفردةً عن باقي الشهور، فيقومون ليله ويصومون نهاره؛ وذلك تقرُّباً لله سبحانه وتعالى، وإدراكاً لفضل العبادة في هذا الشّهر حسبَ الاعتقاد السّائد لديهم، وقد جرى جدلٌ كبيرٌ بين الناس عموماً في مسألة أفضليّة شهر شعبان وتخصيصه بالصّيام أو القيام، فما مدى صِحّة ما يُنقَل عن أفضليّة صيام شعبان أو قيامه عموماً، وهل لليلة النّصف من شهر شعبان مزيّةٌ خاصّةٌ في القيام أو الاحتفال أو غيرها؟ ذلك ما ستبحثه هذه المقالة.

سبب تسمية شعبان بهذا الاسم
 قيل: إنّ شهر شعبان قد سُمِّي بهذا الاسم؛ لأنّه صادف تشعُّب العرب في البلدان وقتَ تسميته؛ للبحث عن الماء لرعيهم وإقامتهم، وقيل: بل سُمِّي شعبان لأنَّهم -أي العرب- كانوا ينتشرون فيه لطلب القتال بعد أن امتنعوا عنه في الأشهُر الحُرُم وتحديداً في شهر رجب الذي يسبقه.

فضل ليلة النّصف من شعبان
 لليلة النّصف من شعبان أهميّة تفوق بها باقي ليالي الشّهر، بل حتّى تفوق أهميّتها العديد من ليالي الأشهُر الأخرى، حتّى إنَّ بعض العلماء قد جعل لها من الأهميّة ما يوازي ليلة القدر، وقد ورد في فضلها وأهميّتها العديد من الأحاديث النبويّة التي تُشير إلى استِحباب قيام ليلها وصيام نهارها، والمداومة فيها على الأوراد، والأذكار، وقراءة القرآن، والقيام بالأعمال الحسنة، مثل: الصّدقة، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المُنكَر، وغير ذلك من الأمور.

وقد وردت بعض الأحاديث في فضل تلك الليلة تُثبِت أنّ لها فضلاً عن سائر الليالي، بل إنَّ بعض العلماء جعلوا لليلة النّصف من شعبان أفضليَّةً عاليةً، فقال بعضهم: إنّ قول الله تعالى: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)، كان يُقصَد به ليلة النّصف من شعبان، لا ليلة القدر، ففي ليلة النّصف من شعبان يُقدِّر الله -سبحانه وتعالى- جميع ما سيحصل للعباد في السّنة اللاحقة من أرزاق أو مصائب، ثمّ يُقدّم الله ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء بأمره عزَّ وجلّ.

وأجمع علماء المسلمين أن النصف من شعبان ليلة مباركة لها مكانة عند الله مميزة، ومن المستحب الدعوة فيها بالعفو والمغفرة وصلاح الحال، مع الصوم وقراءة القرآن والتصدق وقيام الليل وترك المشاحنة والخصام.

والنصف من شعبان ليلة عظيمة لما قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في شأنها‏:‏ "إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" (رواه ابن ماجه‏ وابن حبان).

وشهد شهر شعبان المبارك تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام بمكة المكرمة في العام الثاني من الهجرة، بعد أن صلى جميع المسلمين 16 شهراً تقريباً تجاه المسجد الأقصى.

وكانت الأمة الإسلامية شهدت تحويل القبلة في البدء من الكعبة إلى المسجد الأقصى لحكمة إلهية، تتعلق بالعمل على تقوية إيمان المؤمنين وتنقية النفوس من شوائب الجاهلية‏.

واستشهد الدكتور علي جمعة، مفتي مصر السابق، في هذا الشأن بقوله الله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، فقد كان العرب قبل الإسلام يعظمون البيت الحرام ويمجدونه‏.

وأوضح أن صدور الأمر الإلهي بالاتجاه إلى المسجد الحرام‏ ليس تقليلا من شأن المسجد الأقصى ولا تنزيلا من شأنه‏، ولكنه ربط لقلوب المسلمين بحقيقة أخرى هي حقيقة الإسلام‏، حيث رفع سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام قواعد هذا البيت العتيق ليكون خالصا لله‏، وليكون قبلة للإسلام والمسلمين‏.

وذكر أن الحكمة من ذلك ليؤكد الله أن دين الأنبياء جميعًا هو الإسلام‏، مستشهدا بقوله تعالى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ).

وتابع: "تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ليس إلا تأكيدا للرابطة الوثيقة بين المسجدين‏، فإذا كانت رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى قد قطع فيها مسافة زمانية قصر الزمن أو طال‏، فقد كان تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام رحلة تعبدية‏.

ليلة النصف من شعبان تعرف بألقاب عدة بينها: ليلة البراءة، ليلة الدعاء، ليلة القِسمة، ليلة الإجابة، الليلة المباركة، ليلة الشفاعة، ليلة الغفران والعتق من النيران.

أوضح مفتي مصر السابق أنه ورد في فضل هذه الليلة المباركة أحاديث بعضها مقبول والآخر ضعيف‏، مضيفا: "غير أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال‏، لذلك يحرص الصالحون على قيام ليلها وصيام نهارها‏".

ومن المتفق فيه بين علماء المسلمين أن ليلة النصف من شعبان يقدر فيها الخير والرزق ويغفر فيها الذنب، لذا تعرف باسم "البراءة".

وأوضحت دار الإفتاء المصرية، ردا على سؤال بشأن تسمية ليلة النصف من شعبان بـ"البراءة"، أن هذا معنا صحيحٌا شرعًا وموافقٌا لما ورد في السنة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إذ قالت: فَقَدْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ، فقُلْتُ: وَمَا بِي ذَلِكَ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعَرِ غَنَمِ كَلْبٍ (اسم قبيلة). رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد.

واستشهدت لجنة الفتوى بالدار المصرية بما ورد عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا، أَلَا كَذَا..؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ" رواه ابن ماجه.

وقالت دار الإفتاء المصرية إن ليلة النصف من شعبان من مواسم الخير التي خص الله تعالى الأمةَ الإسلامية بكثير منها، لذا يُستحبُّ صيامُ نهارها، وقيام ليلها، والتقرب إلى الله فيها بالذكر والدعاء.

بينما قال إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ، إن شعبان من الشهور الفاضلة، وكان سلف الأمة يسمونه شهر القُراء لكثرة قراءتهم للقرآن الكريم والانقطاع لذلك.

ودعا المسلمين إلى الإكثار من الطاعات والقربات بأنواعها في شعبان، والمسارعة فيه إلى سبيل الخيرات التي حثّ عليها كتاب الله وسنة رسوله من صلوات وصيام واعتمار بيت الله الحرام وصدقة وإحسان، والأفعال التي فيها النفع للمسلمين من المحتاجين والمعوزين، وبما فيه التقرب لله رب العالمين".

واستشهد بالحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال "ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم".

دعاء ليلة النصف من شعبان
يستحب أن يكثر المسلم من الدعاء في ليلة النصف من شعبان، خاصة ترديد أدعية العفو والمغفرة وصلاح الحال، مع الصوم وقراءة القرآن والتصدق وقيام الليل.

ومن أشهر الأدعية التي أشارت دار الإفتاء المصرية إلى إمكانية أن يدعو بها المسلم في هذه الليلة المباركة:

- اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَامِ. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظَهْرَ اللَّاجِئينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ.

- اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

- إِلَهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ، الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ، أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَم،. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

طباعة Email