«سنوات الحلم والصدام والعزلة»، هكذا لخّص رئيس وزراء مصر الأسبق، د. كمال الجنزوري، حياته في جملة ذيَّلَ بها عنوان سيرته الذاتية الصادرة في العام 2013 تحت عنوان «طريقي»، والتي تحدث فيها عن رحلته «من القرية إلى رئاسة مجلس الوزراء». توفي كمال الجنزوري، اليوم، عن عمر ناهز 88 عاماً، بعد «مشوار طويل في حب مصر»، كما وصف في مقدمة سيرته الذاتية، غلفته قيم إتقان العمل والتفاني، وهي القيم التي يعتبرها الجنزوري السبيل لبلوغ مستقبل أكثر ازدهاراً.

مثّلت المفاهيم والقيم التي تبناها الجنزوري ثمار تجربة طالت أكثر من أربعة عقود، بدأت من وظيفة في بداية السلم الوظيفي، لتتدرج إلى سلسلة من الوظائف المسؤولة، تمثلت في أستاذ مساعد بمعهد التخطيط القومي، ثم خبيراً للتخطيط بهيئة الأمم المتحدة لدى هيئة التخطيط السعودية، ووكيلاً لوزارة التخطيط، وتطورت المسؤولية إلى تولي منصب محافظ لمحافظتين، ومن ثم العودة إلى معهد التخطيط القومي مديراً ونائباً لوزير التخطيط. يقول الجنزوري: 

«أصبحت المسؤولية أكبر عبئاً عندما شرفت بالإشراف على وزارتي التخطيط والتعاون الدولي وزيراً، ثمّ نائباً لرئيس الوزراء مع الاحتفاظ بالوزارتين، ومحافظاً لمصر لدى البنك الدولي لعقد ونصف، حتى بلغت المسؤولية أقصاها حين كُلفت برئاسة مجلس الوزراء والإشراف على عدة وزارات وأجهزة، كما انُتخبت نائباً بمجلس الشعب عن إحدى دوائر المنوفية لدورتين متتاليتين خلال ثمانينيات القرن الماضي».

دعمت هذا التدرّج في المناصب الرسمية الذي رواه الجنزوري في كتابه، جملة من المبادئ من بينها إيمانه الكامل بأنّ العمل الوطني الصحيح في بلد كمصر بكل ظروفها وأحداثها، لابد أن ينطلق في إطار من التخطيط المتكامل للإعداد والمتابعة لضمان حسن استغلال الموارد الوطنية المادية والبشرية. 

ظلت هذه المبادئ التزاماً لا يهتز ولا يتغير مهما تفاقمت الأحداث وتشعبت، ما أشاع في نفس الجنزوري الرضا، حتى عندما بلغت مسيرة المسؤولية الرسمية منتهاها في الفترة الأولى التي تواصلت حتى 5 أكتوبر عام 1999، وقبل أن يستأنفها مرة أخرى في ظروف صعبة سياسياً واقتصادياً واجتماعاً وأمنياً وإعلامياً بعد أحداث يناير 2011، إذ ظلّ الإيمان وبقيت القناعة بألّا تفريط في حقوق مصر وأبنائها، وأنّ خير مصر يتمثل في خير أبنائها جميعاً دون تمييز، كما قال في سيرته الذاتية.

كمال الجنزوري، أو وزير الغلابة أو الفقراء، والوزير المعارض، كما يطلق عليه البعض، والذي اشتهر بنظافة يديه، من مواليد العام 1933 بمحافظة المنوفية شمال القاهرة، شغل منصب رئيس وزراء مصر في فترتين، الأولى في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك من نوفمبر 1986 حتى أكتوبر 1999، والثانية في فترة المجلس العسكري بعد 25 يناير 2011، في الفترة من 7 ديسمبر 2011 وحتى 25 يونيو 2012. فيما يُعرف عنه أنّه صاحب الخطة العشرينية لمصر، والتي بدأت في العام 1983.

تميزّت فترة الجنزوي الأولى في رئاسة الوزراء بقيام عدة مشروعات قومية ضخمة أبرزها مشروع توشكى وشرق العوينات، ومشروع الخط الثاني لمترو أنفاق القاهرة "شبرا-الجيزة"، وغيرها من المشروعات التنموية العملاقة، فيما شهدت تلك الفترة إقرار تشريعات وصفت بـ «الجريئة» من بينها قانون الإيجار الجديد، كما لعب دوراً في تحسين علاقة مصر مع صندوق النقد والبنك الدولييْن.

اعتزل الجنزوري العمل السياسي من 1999 وحتى العام 2011، وقال عقب أحداث 25 يناير، إن نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك ضيّق الخناق عليه إعلامياً، ومنع الوزراء من التواصل معه، ليعود من جديد لرئاسة الوزراء بعد تنحي الرئيس الأسبق، في عهد المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أدار البلاد في المرحلة الانتقالية. لم تكن مهمة الجنزوري سهلة على الإطلاق في تجربة الثانية في رئاسة الوزراء، في ظل الاضطرابات السياسية التي كنت تمر بها البلاد، إلّا أنّ المجلس العسكري أعطاه كل الصلاحيات بعد استقالة حكومة عصام شرف. شهدت فيه فترة رئاسته الثانية للوزراء أحداثاً كبرى كان من بينها «مذبحة بورسعيد» الشهيرة، التي أقال على أثرها مدير أمن المحافظة ومدير المباحث، فيما أثيرت في فترته الثانية القضية المعروفة إعلامياً بـ «قضية التمويل الأجنبي» التي اتُهم فيها عشرات النشطاء بتلقي تمويل أجنبي من خارج مصر تحت ستار جمعيات أهلية يديرونها.

رحل الجنزوري تاركاً خلفه سيرة حافلة بالمواقف التاريخية والبصمات التي لا تُنسى في العمل الوطني، إذ تحمّل مسؤوليات جسام في فترات بالغة التعقيد، انطلق في مواجهتها من مبدأ التخطيط الجيد الذي كرّس حياته له، فأسهم في التأسيس لعدة مشروعات قومية عملاقة، ولعب دوراً واسعاً في التنمية، ووضع يده على مواطن الفساد، وحاول التصدي له بكل ما أوتي من قوة.