خلف جدران بيت المسنين التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، في مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، الممتلئ ببركات من يسكنه من ذوي الأعمار المختلفة، تتنوع القصص الإنسانية، فلكل مسن حكايته الخاصة، تختبئ وراء تجاعيدهم مرارة السنين وعذاباتها، ليكونوا وحيدين، يتجرّعون بمفردهم الألم والقهر والأسى، منهم من يغالبهم البكاء ليل نهار، لنكران أبنائهم لهم، ومنهم من لم يمنحهم القدر نعمة الأمومة والأبوة.
في يوم الأم هذه المرة الحديث يختلف عن المعتاد، سنبحث في ثنايا معاناة لا يعرف مرارتها سوى من يعيشها يوماً بيوم، نساء ورجال حُرموا من نعمة الإنجاب، فلا ابن يبلسم جراحهم، ولا ابنة تروي ظمأهم، فضاقت بهم السبل، وصغرت الدنيا في عيونهم، فلم يجدوا سوى بيت المسنين مأوى لهم، ومعيناً على تخطي عثرات ما تبقى من العمر.
الوحدة خطر
الحاجة هنية عودة (85 عاماً) من مدينة سلفيت القريبة من نابلس، تلملم أنفاسها بعض الشيء، وتجمع الكلمات لترويها لـ«البيان»: تزوجت من رجل يكبرني بـ 20 عاماً، بعد أن توفيت زوجته، ولم يرزقني الله أطفالاً، وبعد أن توفي بقيت وحيدة، فأولاد زوجي تزوجوا، وسافروا خارج الوطن، ولي أخ واحد مُتوفٍ، ومع مرور الأيام ساء وضعي الصحي، أُصبت بالضغط والسكري، وجلطة على اليد وصرت بحاجة إلى مرافق دائم. وجودي في البيت وحيدة صار يشكل خطراً عليّ، خصوصاً بعد أن أصبت بحالة نسيان متكرر، وذات يوم، ضجت حارتنا بخبر وفاة مُسنة، عاشت وحيدة بعد وفاة زوجها، فهي لم تنجب، وتم اكتشاف ذلك بعد أن انتشرت رائحة جثتها بالمكان وقد تعفنت، فحينها قررت أن ألجأ إلى بيت المسنين.
تتنهد الحاجة هنية تنهيدة طويلة، وتواصل حديثها لـ«البيان»: المكان الوحيد والملجأ الآمن لي بيت المسنين، على الأقل هنا أجد من أتسلى معهم طوال الوقت، تصمت برهة من الزمن، وتواسي نفسها قائلة: ربما لو رزقني الله أبناء لكان مصيري المكان نفسه، كحال الكثيرين.
زيارات دورية
وتقول مديرة بيت المسنين ميّ الخليلي لـ«البيان»: إن بيت المسنين، الذي تأسس عام 1952، يأوي 16 مسناً ومسنة، تتوفر لهم الخدمات اللازمة والأساسية، من مأكل ومشرب وملبس وعلاج وفحص طبي، بإشراف كادر طبي متخصص، وأنشطة ترفيهية، تهدف إلى دمجهم في المجتمع.
وتؤكد أن الكثير من أهل الخير والمؤسسات والمدارس ينظمون زيارات دورية إلى البيت، ويملأونه في المناسبات المختلفة، ومنها يوم الأم، ويوزعون الهدايا، ويقضون وقتاً مع المسنين، فيخففون عنهم بعض ألمهم، وبسبب جائحة «كورونا»، تم حظر الزيارات والأنشطة حفاظاً على سلامة المسنين وصحتهم.
في نابلس.. قصص تشكو مرارة السنين ببيت المسنين
