مخترع النودلز.. من البدايات الصعبة إلى النهايات السعيدة

حين جلس أندو يكتب تفاصيل قصة حياته في كتابه، أكد أن كل خطوة خطاها في حياته، وكل فشل نال منه، لم يكن سوى إعداد له وتجهيز لينتج النودلز المجففة، ليساعد في القضاء على المجاعة والجوع في هذا العالم.

كذلك أوضح أندو لماذا اختار حساء الدجاج تحديداً، قائلاً إن الدجاج هو المنتج الوحيد الذي لم تحرمه أية ديانة أو اعتقاد ديني، فالمسلمون لا يأكلون الخنزير، والسيخ لا يأكلون لحم البقر، وهكذا لا تجد سوى الدجاج الذي لا تحريم عليه.

رجل أعمال في وقت مبكر، ومبتكر لاحقا

لم يأت اسم ”مستر نودلز“ الذي كان يُعرف به أندو موموفوكو من فراغ. ففكرة النودلز أو المعكرونة الشريطية الرفيعة سريعة التحضير كانت من ابتكاره في العام 1958، حيث حققت مبيعات قياسية سنوية بلغت 5.5 مليار وحدة في اليابان وحدها.

وفي جميع أنحاء العالم يتم استهلاك ما يقرب 100 مليار وحدة سنويا، الأمر الذي جعل المنتج بمثابة ”غذاءً عالمياً“. أما بالنسبة لشركة نيشين للمنتجات الغذائية التي أسسها أندو، فهي جزء من مجموعة نيشين الكبرى، حيث نمت لتصبح شركة عملاقة محققة مبيعات صافية تزيد على 490 مليار ين في السنة المالية الماضية التي انتهت في مارس 2017.

ولكن قبل تحقيق النجاح كانت هناك العديد من المحاولات والتجارب. حيث كان أندو كان رجل صناعة واعدا في السوق لكنه خسر كل ثروته بين عشية وضحاها.

وفي الوقت الذي اخترع فيه النودلز الفورية بنكهة الدجاج الذي كان بمثابة أول النودلز الفورية، كان عمره قد تخطى الثامنة والأربعين عاما.

وقد ترك أندو خلفه تلك الكلمات الملهمة ”في الحياة لم يفت الأوان أبدا. لقد تطلب مني الأمر ثمانية وأربعين عاما لابتكار هذا المنتج“.

الفرصة الأخيرة أمام أندو المفلس

ولد أندو في الخامس من مارس  من العام 1910، في تايوان، والتي كانت تحت الحكم الياباني في ذلك الوقت. فقد والداه في سن مبكرة، وترعرع في كنف جديه مع أخويه الأكبر سنا وشقيقته الصغرى، حيث كانا يديران متجرا لبيع الكيمونو في مدينة تاينان.

وكان في رؤية أجداده يكدون في العمل في فترة نشأته المبكرة، مسألة جعلت من شغفه بالعمل أمرا جديرا بالاهتمام.

ومع بلوغه سن الثانية والعشرين، أنشأ أندو شركة في تايوان لبيع أقمشة التريكو اليابانية الصنع. وبدأت أعماله تأخذ منحنا جديدا، حيث استطاع في العام التالي افتتاح فرع لشركته في أوساكا، وسرعان ما أصبح اسمه يتردد صداه في منطقة كانساي باعتباره رجل أعمال شاب.

وعلى الرغم من خسارته للكثير من أعماله بسبب الحرب العالمية الثانية، إلا أنه كان مفعما بالحيوية وروح الانطلاق، حيث توسعت أعماله لتشمل بناء وحدات سكنية بدائية في فترة ما بعد الحرب، وإنتاج الملح، وتأسيس مدرسة.

سجن أندو مرتين خلال حياته. كانت المرة الأولى في بداية الحرب العالمية الثانية، حيث كان يقوم ببيع البضائع العسكرية في السوق السوداء.

وفي أعقاب الحرب، كان لتهربه الضريبي سببا في مواجهته الثانية مع القانون. وفي كلتا المرتين ثبُتت براءته وأفرج عنه. وقد تم توجيه الاتهامات ضده لأسباب منها كونه رجل أعمال ثري تايواني المولد.

وقد نال حظه في مواجهة العديد من المشاكل في سنوات الفوضى التي أعقبت الحرب. وفي أثنائها، التقى وتزوج زوجته ماساكو، التي كانت نعم العون له في السراء والضراء.

كان التحدي الأكبر الذي واجه أندو على مدار حياته عندما كان في منتصف الأربعينات. ففي العام 1957، تعرض الاتحاد الائتماني الذي كان يرأسه للإفلاس، باستثناء عقار مستأجر في مدينة إكيدا بأوساكا. عندها خسر كل ثروته بين عشية وضحاها. وكان دوره في الاتحاد الائتماني بإيعاز من أحد أصدقائه الذي طلب منه أن يتولى زمام الأمور.

ويتذكر لاحقا ”أسفه المرير“ عندما انتقل إلى عالم الأعمال المالية دون دراية كافية بمقتضيات الأمور.

لكنه كان فطنا ليرى أنه على الرغم من خسارته لممتلكاته فإن ما اكتسبه من خبرات سوف تقف بجانبه بالتأكيد، حيث كان هو ذلك الشخص الذي سرعان ما يبحث عن الطريق ليقف مجدداً على قدميه. وهنا بدأت أمجاده باعتباره ”مبتكر النودلز الفورية“. حيث عكف على بناء ورشة صغيرة وراء منزله، وبدأ في تطوير منتج جديد باعتماد كلي على مجهوداته الذاتية.

الشرارة التي أحدثت الانطلاقة

جاءت فكرة النودلز الفورية في ذهن أندو عندما كان في أحد الأسواق السوداء بالقرب من محطة قطارات أوساكا الرئيسية خلال سنوات النقص الحاد في الغذاء في أعقاب الحرب، حيث كانت تصطف مجموعات عديدة من الناس من أجل الحصول على صحن من نودلز تحت سماء الشتاء القارص.

عندها تفطن لحقيقة صادمة تكمن في أهمية الطعام، ودونه لن نتمكن من توفير الكساء، المسكن، وإبداع الفنون والثقافة. كما أدرك أن اليابانيين يحبون المعكرونة وكان مقتنعا بأن اصطفاف الناس بهذا الشكل في صفوف طويلة يمثل رغبة دفينة لديهم.

لاحقا وبعد سنوات قليلة، عندما لم يكن يملك قوت يومه، تذكر ذلك المشهد وقرر أن يحاول تطوير النودلز بحيث تكون سهلة الإعداد والمنال، إضافة إلى سهولة تخزينها.

بكل عزيمة وإصرار ودون كلل أو ملل استمر في أبحاثه لمدة عام كامل من دون انقطاع ومن دون أن يحصل على أي يوم راحة، فقط كان يخلد للنوم لمدة 4 ساعات فقط.

وكانت أكبر المعضلات التي واجهته وكان يتعين عليه التغلب عليها تكمن في إيجاد طريقة يضمن من خلالها تجفيف المعكرونة بحيث يمكن تخزينها لفترات طويلة وفي نفس الوقت إمكانية إعدادها لتصبح جاهزة للتناول بسهولة فقط عن طريق إضافة بعض من الماء الساخن عليها وفق وقع "اليابان بالعربي.

وأخيرا توصل إلى طريقة القلي السريع، وفيها يقوم بقلي المعكرونة لفترة وجيزة في كمية كبيرة من الزيت وفي درجة حرارة مرتفعة للتخلص من الرطوبة.

تشتهر مدينة تاينان مسقط رأس أندو بالـ (yi-mian)، وهو أحد أنواع المعكرونة المقلية جيدا قبل الغلي. وبما أن المعكرونة تبقى لفترة من الوقت بعد أن يتم غليُها، فيقول بعض من الناس بأن (yi-mian) سبقت فكرة الرامن سريع التحضير. إلا أن أندو في واقع الأمر تفطن إلى فكرته من رؤيته لزوجته ماساكو أثناء إعدادها لطبق الـ تيمبورا (أحد المأكولات اليابانية الشهيرة المعدة من المأكولات البحرية أو الخضروات المغموسة في الزيت)، حيث كانت تُعد تنبورا مقرمشة من خلال قليها بطريقة تتمكن بها من التخلص من الرطوبة الزائدة، عندها استلهم فكرة القلي السريع للمعكرونة.

بفضل تجربة أندو، بدأ بيع أول رامن بالدجاج سريع التحضير في أغسطس من العام 1958. وكان عبارة عن معكرونة يتخللها مسحوق حساء مركّز يتكون من مرق الدجاج والتوابل. فقط بإضافة الماء الساخن وتتصاعد الأبخرة من وعاء النودلز الفورية. وكان يطلق عليها حينها ” النودلز السحرية“، وعندما طُرحت في الأسواق لأول مرة حققت نجاحا منقطع النظير.

وعندما أخبر أندو لأول مرة زوجته ماساكو بأنه سوف يخوض الأعمال في تجارة النودلز الفورية، ردت قائلة ”إذا كنت ستفعل ذلك، تأكد من أن تصبح أفضل صانع نودلز فورية في اليابان“.

وبالفعل تحقق ما قالته، حيث شاهد أندو مبيعاته السنوية من تجارة النودلز الفورية بنكهة الدجاج تصل إلى 4.3 مليار ين بعد خمس سنوات فقط من بدايته.

فكرة غيرت العالم

بعد ثلاثة عشر عاما من الترويج التسويقي للنودلز الفورية بنكهة الدجاج، فاجأ أندو مرة أخرى العالم بما يطلق عليه (كوب نودلز) أو علبة المعكرونة سريعة التحضير، حيث كانت أول معكرونة معبأة مسبقًا في علبة صغيرة الحجم.

وقد يبدو التحول من فكرة المعكرونة المعبأة في مغلفات بلاستيكية وكأنه تغيير بسيط، إلا أنه كان الخطوة الأولى في ترويج المعكرونة اليابانية الصنع للعالم بأسره.

توصل أندو لفكرة منتجه الجديد أثناء رحلته للولايات المتحدة العام 1966. عندما كان يروج لمنتجه النودلز الفورية بنكهة الدجاج للتجار المحليين، ولكنه تيقن بما أنه لا توجد أوعية أو عيدان تناول الطعام في متناول اليد، فلا توجد وسيلة لتناوله في الحال. الأمر الذي جعل التاجر الذي كان يتعامل معه يخرج كوبا من الورق ويقوم بتكسير المعكرونة إلى النصف ويصب فوقها الماء الساخن وبدأ يأكلها بشوكة الطعام.

وهذا ما جعل أندو يدرك أن أخذ العادات الغذائية المحلية بعين الاعتبار هو المفتاح لاجتياح الأسواق العالمية.

من ثم عكف على وضع كل ما كان في جعبته من أفكار إبداعية في العمل على مدار خمس سنوات من التجربة والخطأ، إلى أن طرح في الأسواق أول علبة معكرونة سهلة الاستخدام في العام 1971.

ولكن كان لا يزال هناك بعض من العقبات يتعين التغلب عليها، حيث لم تكن علبة المعكرونة تحقق المبيعات المرجوة نظرا لأن سعرها كان أغلى قليلا من مغلفات المعكرونة البلاستيكية.

في بداية الأمر كان المنتج ملائما لأشخاص مثل ضباط الشرطة ورجال المطافئ وغيرهم ممن يعملون في النوبات الليلية أو في الأماكن المفتوحة. إلا أن أندو استمر في مجهوداته لتحقيق ما كان يصبو إليه.

وبالفعل أتته الفرصة في العام التالي عندما تعرضت البلاد لحادثة احتجاز الرهائن وحصار الشرطة بكوخ (أساما - سانسو) لقضاء العطلات في فبراير من العام 1972.، حيث كان الطقس شديد البرودة بدرجة كفاية لجعل علب وجبات الطعام تتجمد، وقد قضت الشرطة أكثر من أسبوع في محاولة لإجبار الطلاب المتطرفين على الاستسلام والخروج من الكوخ الجبلي حيث أخذوا زوجة صاحب النزل رهينة.

مشاهدة هذه الأحداث على التلفاز الوطني ورؤية الضباط وهم يلتهمون علب المعكرونة الساخنة أعطت المنتج دفعة ترويجية كبيرة بين عامة الناس.

التحدي القادم وغزو الفضاء

في الوقت الذي صارت فيها علب المعكرونة تجتاح الأسواق بقوة، دخل منافسون جدد إلى السوق، وانتشرت أنواع المنتجات الجديدة من النودلز الفورية في جميع أنحاء العالم.

وآمن أندو بأن المنافسة والتنافس الشريف داخل الصناعة من شأنه أن يساعد شركته على النمو، فهو في المقابل لم يسع أبدا للحصول على براءة اختراعه وأن يكون الجهة المناحة لإصدار التراخيص لاستخدام المنتج. وكان هذا الأمر عاملاً رئيسا وراء النمو الضخم في سوق المعكرونة سريعة التحضير، والذي ساهم بدوره في النهاية في توسع شركة نيسان للمنتجات الغذائية نفسها.

ولم يتوان أندو عن ممارسة مهامه بحماس في تطوير أفكار جديدة طوال حياته. ففي العام 2001، وعن عمر يناهز الواحدة والتسعين، أعلن أنه سيقوم بتطوير طعام مخصص للتناول في الفضاء. حيث قاد فريقه في أعمال البحث والتطوير، وبدأ العمل على إنتاج نودلز الفورية يمكن تناولها حتى في الفضاء الخارجي.

وبالفعل نجح في تحقيق إنجاز جديد تمثل في منتجه الذي أطلق عليها ”النودلز الفورية للفضاء“، والتي تتميز بحساء سميك المسحوق لمنع التناثر في بيئة خالية من الوزن.

وقد تمكن منتجه من الوصول إلى الفضاء في يوليو من العام 2005 مع رائد الفضاء الياباني نوغوتشي سويتشي والطاقم المرافق له في مكوك الفضاء ديسكفري.

وأعرب أندو عن فرحته العارمة وإيمانه بصدق اعتقاده بأنه ”لا يزال الوقت متاحا دائما في الحياة لتحقيق المزيد“.

يفنى الجسد وتستمر ذكراه

توفي أندو في الخامس من يناير من العام 2007 عن عمر يناهز السادسة والتسعين، وذلك بعد يوم من طرح أفكاره في احتفالية شركة نيسان برأس السنة.

وتم نشر خبر وفاته في جميع أنحاء العالم، ونشرت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها كلمات تعبر عن العرفان والامتنان لـ ”مستر نودلز“.

عاش أندو واضعا نصب عينيه شعار ”الغذاء يجلب السلام“. وقد تم تكريمه لمساهماته الاجتماعية في مجالات الغذاء ولتعزيز تنمية ثقافة الطعام، بما في ذلك تقاليد الطهي المحلية في اليابان.

على مدار حياته الطويلة، لم يكف أبدا عن طرح أفكار إبداعية، متشبثا بتحقيق مساعيه. ويتذكر الكثيرون أنه عندما كان رئيسا للشركة، كانت هناك مساحة مخصصة لإعداد الطعام مجاورة لمكتبه، حيث كان بإمكانه هناك إجراء التجارب على أفكاره بخصوص المنتجات الغذائية المختلفة. وكان مشهورا بسرده للأقوال المأثورة، والتي كان من أشهرها ”لا تجعل تعثرك يذهب هباًء، التقط من هناك ما ينفعك“.

كانت كلماته وما تحمله من معاني الواقعية والوضوح، المشقة، والدفء، والعثرات التي تغلف الحياة الصعبة التي يتعين التغلب عليها، كلها كان يسمع صداها عند عامة الناس أثناء حياة أندو.

وحتى يومنا هذا، فإنها بمثابة دفعة لتشجيع كل من يطمح في الانطلاق في مغامرة جديد.

كلمات دالة:
  • أندو موموفوكو ،
  • النودلز،
  • الدجاج ،
  • اليابان
طباعة Email