كان عثمان بن عفان رضي الله عنه سفير الرسول لقريش في صلح الحديبية سبباً في بيعة الرضوان بعد ما وصلت أنباء عن قتل المشركين له.. وتبدأ قصة الحديبية عندما أراد النبي الذهاب لزيارة البيت الحرام لقضاء العمرة. فعندما اشتد عود المسلمين بعد عدة جولات من الحرب مع المشركين بدأت ببدر ثم أحد والأحزاب خرج الرسول الكريم.. إلى مكة قاصدا زيارة الكعبة المشرفة..

وساق معه الهدي سبعين بدنة يتقاسمها سبعمئة من الصحابة حتى إذا كان بغطفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال يا رسول اللّه هذه قريش، قد سمعت بمسيرك فخرجوا يعاهدون اللّه أن لا تدخلها عليهم أبدا فقال «يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلو بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، فواللّه لا أزال أجاهد على الذي بعثني اللّه به حتى يظهره اللّه».. وأشار الرسول إلى أصحابه أن يسلكوا طريقا آخر فقادهم رجل إلى طريق وعر بين شعاب - فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين، حتى وصلوا إلى أرض سهل عند منقطع الوادي أمر رسول الله الناس أن يستغفروا اللّه ويتوبوا إليه وأمرهم أيضا بأن يسلكوا اتجاه اليمن إلى مهبط الحديبية من أسفل مكة - وهناك بركت ناقة الرسول الكريم.. فقال للناس انزلوا..

قيل له يا رسول اللّه إن هذا الوادي لا يوجد به ماء فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فغرسه في جوف بئر مردوم فتفجر منه الماء فارتوى الناس وارتوت الإبل.. فلما اطمأن رسول اللّه أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه عن سبب مجيئه فأخبرهم بأنه لم يأت يريد حربا.. وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته..

فرجعوا إلى قريش فقالوا لهم إن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا للبيت ولكن قريشا أصرت على أن لا يدخل محمدا عنوة عليهم أبدا حتى وإن كان لا يريد قتالا. وتوالت الرسل من قريش إلى الرسول الكريم حيث بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف ثم بعثوا إليه الحُليس بن علقمة الذي غضب من تصرف قريش وصدهم محمداً عن البيت حتى قال «يا معشر قريش، واللّه ما على ذلك حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت اللّه من جاء معظما له .

والذي نفس الحُليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، فقالوا له كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضي به « ثم بعثوا إلى رسول الله عروة بن مسعود الثقفي.. الذي رجع إلى قريش قائلا: يا معشر قريش إني قد جئت كسري في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لايسلمونه لشيء أبدا..

ثم دعا رسول اللّه خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول اللّه ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فأشار عليه بأن يبعث عثمان بن عفان الذي بعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، ليخبرهم أنه لم يأت لحرب.

وإنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته خرج «عثمان» إلى مكة، حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللّه ما أرسله به فقالوا لـعثمان حين فرغ من رسالته إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف فقال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه واحتبسته قريشا عندها.. فبلغ رسول اللّه والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل فقال حين بلغه ذلك: لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة التي بايع فيها رسول اللّه الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين إلا الجد بن قيس.

ثم أتى رسول اللّه فقال إن الذي ذكر من أمر عثمان باطل. وبعثت قريش سهيل بن عمرو وطلبت منه مصالحة النبي على أن يكون في صلحه أن يرجع عامه هذا حتى لا يتحدث عنه العرب أنه دخل علينا عنوة فأتاه سهيل ولما انتهى من الكلام تكلم الرسول فأطال الكلام ثم جرى بينهما الصلح ولما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال أليس برسول اللّه أو ليسوا بمشركين ونحن بالمسلمين فكان أبو بكر يرد بالإيجاب..

فقال عمر: فعلام نعطي الدنية أي نخضع لهم في ديننا.. وتوجه عمر بنفس الأسئلة إلى رسول اللّه فقال: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني « وجاء في شروط الصلح..الذي دونه على بن أبي طالب كرم اللّه وجهه والذي حمل في ظاهره إجحافا بالمسلمين حيث اشترط على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لا يردوه عليه وأن يرجع الرسول وصحبه هذا العام وتكون زيارته في العام القادم ولما فرغ الرسول الكريم من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين وكان كتابه في صلح الحديبية.

«هذا ما صالحَ عليه محمدُ بنُ عبداللَّه سُهَيلَ بنَ عمرو : اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عَشْرَ سنينَ، يأمَن فيهن الناسُ، ويكفُّ بَعْضُهُم عن بعض، على أنه مَن أتَى محمداً من قريش بغير إذن وَليه رَدَّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردّوهُ عليه، وأنَّ بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إِسْلالَ ولا إِغْلاَل، وإنّه من أحبَّ أن يدخل في عَقْدِ محمد وعَهْده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عَقْدِ قريش وعهْدِهم دخل فيه».