هذا الصحابي الجليل شهد العقبة وبدراً وكان سيد القراء وقد جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكان رأسا في العلم والعمل. قال له النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرجه البخاري ومسلم «إن الله أمرني أن أقرئك القرآن قال: الله سّماني لك؟ قال نعم. قال وذُكرتُ عند رب العالمين؟ قال نعم فذرفت عيناه».
لقد نال هذه الحظوة وهذه المنزلة لاهتمامه بكتاب الله الاهتمام الكبير حتى كان أقرأ الصحابة للقرآن الكريم. فقد أخرج الترمذي بسند حسن صحيح (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياءً عثمان وأقضاهم علي وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل إلى أن قال ( وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب).
وقد سأله النبي ذات مرة عن أعظم آية في القرآن فقال (الله لا إله إلا هو الحي القيوم..) آية الكرسي. فضرب النبي صدره إعجابا لجوابه وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر» كما أخرجه مسلم وغيره.
ولما ذهب عمر إلى دمشق وخطب بالجابية فكان مما قال « من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أُبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله جعلني خازناً وقاسماً».
كان أبي يحرص كثيراً على الثواب من الله تعالي حتى سأل النبي عن جزاء الحُمّى فقال رسول الله تُجْري الحسنات على صاحبها. فقال: «اللهم إني أسألك حُمّى لا تمنعني خروجاً في سبيلك فلم يمس إلا وبه حُمّى» فقد استجاب الله دعاءه وهذه إحدى كراماته التي أكرمه الله بها. لقد شدد على نفسه رجاء الثواب من الله تعالى.
لكنه من جراء هذه الحُمّى التي ظلت تلازمه أصبح ضيِّق الخُلُق حتى قال ابن حبيش: «أتيت المدينة فأتيت أُبيّاً فقلت يرحمك الله اخفض لي جناحك وارفق بي قال وكان امرءا فيه شراسة من وقع الحُمّى عليه فسألته عن ليلة القدر فقال: ليلة سبع وعشرين من رمضان. وكان يقسم على ذلك.
وكان ذات يوم إلى جنب عمر بن الخطاب وكان قد تقدم به السن حيث كان أبيض الشعر ويلبس البياض. فجاء رجل وطلب حاجة من عمر فقال أبي: «إن الدنيا فيها بلاغنا وزادنا إلى الآخرة وفيها أعمالنا التي نُجْزى بها في الآخرة». فقال الرجل من هذا يا أمير المؤمنين ( قال هذا سيد المسلمين أبي بن كعب ) ولا أعلم أن عمراً أطلق السيادة إلا على ثلاثة (أبي بن كعب، وأبي بكر، وبلال) حيث قال كما أخرجه البخاري (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا) أي بلال.
ولما كان يوم الجمعة سنة اثنين وعشرين من الهجرة مات أبي بن كعب في عهد عمر بن الخطاب حيث كان أهل المدينة يموجون في سككها حزناً على هذا الرجل الذي كان يحمل بين حناياه آيات الذكر ونور القرآن. ولما وصل الخبر إلى عمر قال ( لقد مات اليوم سيد المسلمين) أبي بن كعب مات الرجل الذي كان عمر يُجله ويتأدب معه ويتحاكم إليه. رضي الله عنه وأرضاه.
الكرامة التي أكرمه الله بها روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال عمر: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا وكانوا في بلاد الشام قال ابن عباس فكنت في مؤخر الناس مع أبي بن كعب. فهاجت سحابة مليئة بالمطر.
وكان عمر في مقدمة الناس. فقال أبي بن كعب: اللهم اصرف عنا أذاها. قال فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم بالمطر وكان ممن ابتلت رحاله عمر بن الخطاب فلما رأى عمر أن أبي بن كعب ومن معه لم يبتلوا بالمطر قال لماذا لم يصبكم ما أصابنا قال ابن عباس (إن أبا المنذر أبي بن كعب قال: اللهم اصرف عنا أذاها قال عمر (فهلا دعوتم لنا معكم).