في تقرير استقصائي نشرته منصة «بوليتيكو»، سلط الضوء على الصراع المتصاعد بين الاتحاد الأوروبي وشركة «ستارلينك» المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، في وقت تسعى فيه بروكسل لتفكيك هيمنة أغنى رجل في العالم على قطاع الاتصالات الفضائية عبر خمسة مسارات استراتيجية رئيسية.
وأوضح التقرير أن اعتماد أوكرانيا على خدمات «ستارلينك» العسكرية، وما رافقها مؤخراً من تباطؤ في سرعات الخدمة وإعاقة لعمليات الدفاع الأوكرانية في مواجهة الهجمات الروسية أعقبها اتهام ماسك لكييف بانتهاك شروط الخدمة لاستخدامها في هجمات هجومية قد كشف مجدداً عن المخاطر الجسيمة المتمثلة في اعتماد البنية التحتية الدفاعية الأوروبية على تقنيات أمريكية فردية تدار بأهواء شخصية.
ونقلت «بوليتيكو» عن عضو البرلمان الأوروبي عن حزب المحافظين الفنلندي أورا سالا قوله إن اعتماد أوكرانيا على «ستارلينك» يبرز مدى هشاشة الأنظمة الدفاعية الأوروبية التي تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية، معتبرة إياه تذكيراً صارخاً بضرورة خفض التبعات التكنولوجية الخطيرة لأوروبا بأسرع وقت ممكن.
ولمواجهة هذه الهيمنة، يعمل الاتحاد الأوروبي على جبهات متعددة تشمل تمهيد الطريق أمام منافس لـ«ستارلينك» عبر دعم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدمج أصول شركات «إيرباص»، و«ليوناردو»، و«تاليس» في كيان ضخم يحمل رمز «برومو»، فضلاً عن تحركات بروكسل لحجز ترددات الاتصالات الفضائية الحيوية لصالح الشركات الأوروبية لمنع استنزافها من قبل شركات ماسك، الذي حذر بدوره من عواقب ذلك على خدمات الطوارئ.
كما يواصل الاتحاد تطوير شبكته الفضائية الخاصة «إيريس 2» (IRIS²) رغم تعثرها وتأخر إطلاقها حتى عام 2029 أو 2030 مقارنة بآلاف أقمار «ستارلينك» في المدار، إلى جانب محاولات دمج أوكرانيا في مشروع الاتصالات الحكومية الآمنة «جوفساتكوم» كبديل طوارئ.
وعلاوة على ذلك، يشن المشرعون في بروكسل حرباً قانونية وتشريعية عبر مشاريع قوانين جديدة تفرض قواعد صارمة على سلاسل الإمداد، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، والتعامل مع المخلفات الفضائية، وهي الإجراءات التي قوبلت بانتقادات حادة من وزارة الخارجية الأمريكية، ووصفت بأنها «أعباء تنظيمية غير مقبولة» تستهدف الشركات الأمريكية خصيصاً، تزامناً مع تحذيرات رئيس الهيئة التنظيمية للاتصالات الأمريكية برندان كار من أن الولايات المتحدة ستلجأ للرد وفرض قيود انتقامية على الخدمات الأوروبية.
وقد أثار هذا الصراع المتشابك تفاعلات واسعة ومتبادلة في وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية؛ فقد ركز الإعلام الأوروبي على ضرورة تحقيق «السيادة الاستراتيجية» والتخلص من التبعية التقنية لواشنطن، محذراً من المخاطر الأمنية الجسيمة المترتبة على ترك قطاع الاتصالات الفضائية تحت رحمة ملياردير تقني واحد.
وفي المقابل، سلط الإعلام الأمريكي الضوء على التدخل المباشر للرئيس دونالد ترامب لدعم حليفه وصديقه المقرب إيلون ماسك في وجه القيود والتشريعات الأوروبية، معتبراً أن التحركات التنظيمية لبروكسل تمثل حرباً اقتصادية مقنعة ضد عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين.
وقد انعكست هذه التوترات على شكل أزمات دبلوماسية مستمرة، حيث يرى المراقبون أن تدخلات ترامب الحازمة لحماية مصالح ماسك وتلويحه بعقوبات ورسوم تجارية مضادة ستضع العلاقات العابرة للأطلسي على محك اختبار عسير، لتتجاوز المعركة بين الاتحاد الأوروبي وماسك نطاق التنظيم التقني وتتحول إلى صراع جيوسياسي واسع النطاق يحدد ملامح السيطرة على الفضاء والاتصالات العالمية في المستقبل القريب.



