«عين تجسس» تبحث عن الكون المفقود

أكرم أبوالهنود


قبل أربعة عشر عاماً، تلقت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» هدية غير مألوفة من واحدة من أكثر المؤسسات الأمريكية سرية.
كان لدى مكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي، المسؤول عن أقمار التجسس، منظومتان بصريتان فضائيتان متطورتان لم يعد بحاجة إليهما، وفي قلب كل منهما مرآة يبلغ قطرها 2.4 متر، بحجم يماثل تقريباً مرآة تلسكوب «هابل»، وفق «ناسا».
لم تستخدم المنظومتان في المهمة التي صممتا من أجلها، وفي عام 2012 انتقلت التكنولوجيا إلى وكالة الفضاء الأمريكية. وبعد أكثر من عقد، أصبحت إحدى أهم ثمار ذلك الانتقال في الفضاء، لكن بتغيير كامل للمهمة: التكنولوجيا التي طورت للاستطلاع ومراقبة الأرض ستستخدم للنظر إلى أعماق الكون.
وانطلق تلسكوب «نانسي غريس رومان» على متن صاروخ «فالكون هيفي» من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا، الأحد، في مهمة تبلغ كلفتها نحو 4.3 مليارات دولار، بحسب «ناسا». ومن أبرز أهدافها محاولة فهم سبب تسارع تمدد الكون، ودراسة المادة غير المرئية التي تؤثر جاذبيتها في حركة المجرات، واختبار فهم العلماء للجاذبية على المقاييس الكونية.
أسرع من «هابل»
لفهم قدرات «رومان»، يمكن مقارنته بـ«هابل»، التلسكوب الفضائي الشهير الذي أطلقته «ناسا» عام 1990، وأسهمت صوره ودراساته طوال أكثر من ثلاثة عقود في توسيع معرفة العلماء بالنجوم والمجرات والكون العميق.
مرآتا التلسكوبين متقاربتان في الحجم، لكن «رومان» صمم لمهمة مختلفة. فبينما يركز «هابل» على مناطق محدودة من السماء بتفاصيل عالية، يجمع التلسكوب الجديد بين الدقة ومجال رؤية أوسع بكثير.
وتقول «ناسا» إن مجال رؤية أداته الرئيسية أكبر بما لا يقل عن 100 مرة من «هابل»، ويمكنه إجراء بعض المسوحات الفلكية بسرعة تصل إلى ألف ضعف.
وقدمت كبيرة علماء مشروع «رومان» في «ناسا»، جولي ماكنيري، مقارنة أكثر وضوحاً: مسح يستطيع «رومان» إنجازه خلال نحو شهر قد يحتاج «هابل» إلى نحو قرن لإنجازه.
هذه القدرة على المسح الواسع ضرورية لأحد الأهداف الرئيسية للمهمة، إذ يحتاج العلماء إلى مراقبة أعداد هائلة من المجرات ومقارنة حركتها وتوزعها عبر مساحات شاسعة لفهم تطور الكون.
لغز الـ95%
وفق النموذج الكوني الذي يعتمده العلماء حالياً، لا تمثل المادة العادية التي تكون الأرض والكواكب والنجوم والمجرات سوى نحو 5% من محتويات الكون.
وتشير تقديرات «ناسا» إلى أن نحو 27% يتكون من «المادة المظلمة»، التي لا يمكن رؤيتها مباشرة، لكن العلماء يستدلون على وجودها من تأثير جاذبيتها في حركة النجوم والمجرات.
أما نحو 68% فتنسب إلى «الطاقة المظلمة»، وهو المصطلح المستخدم لوصف العامل المجهول المرتبط بتسارع تمدد الكون.
ويعرف العلماء أن الكون يتمدد، لكن اكتشافاً في تسعينيات القرن الماضي أظهر أن هذا التمدد لا يتباطأ تحت تأثير الجاذبية كما كان متوقعاً، وإنما يتسارع. ولا يزال سبب ذلك مجهولاً.
وسيراقب «رومان» أعداداً كبيرة من المجرات ويقيس كيفية تغير توزيعها عبر مليارات السنين، في محاولة لتحديد طبيعة هذا التسارع.
وتقول «ناسا» إن بياناته ستتيح أيضاً اختبار فهم العلماء للجاذبية على المقاييس الكونية. ويستند هذا الفهم بصورة أساسية إلى «نظرية النسبية العامة» التي وضعها ألبرت أينشتاين عام 1915، وأصبحت أحد أسس الفيزياء الحديثة.
ولا يتعلق الأمر بمحاولة إثبات خطأ أينشتاين، وإنما باختبار ما إذا كانت القياسات الفعلية لتطور الكون تتطابق مع توقعات النظرية. وأي اختلافات جوهرية قد تدفع العلماء إلى البحث عن تفسير جديد لطريقة عمل الجاذبية على أكبر المقاييس.
وسيستخدم الباحثون الضوء نفسه لتعقب المادة المظلمة. فالجاذبية تستطيع ثني الضوء القادم من المجرات البعيدة، ومن خلال قياس التشوهات الدقيقة في صورها يمكن تحديد كيفية توزع المادة الموجودة في طريق الضوء، بما فيها المادة التي لا يمكن رؤيتها مباشرة.
100 ألف كوكب
ولا تقتصر أهداف «رومان» على دراسة المجرات والكون البعيد، إذ سيبحث أيضاً عن كواكب تدور حول نجوم أخرى داخل «درب التبانة»، وهي المجرة التي توجد فيها الشمس والأرض.
وتشير أحدث تقديرات «ناسا» إلى أن عمليات الرصد قد تساعد في اكتشاف ما يصل إلى نحو 100 ألف «كوكب خارجي»، أي كوكب يقع خارج نظامنا الشمسي.
وسيستخدم التلسكوب، من بين وسائل أخرى، تقنية تعتمد على ظاهرة «العدسات الجاذبية الدقيقة». وتوضح «ناسا» أن جاذبية نجم يمر أمام نجم أبعد يمكن أن تضخم ضوء الأخير لفترة قصيرة، وإذا كان هناك كوكب يدور حول النجم الأمامي فإنه يترك تغيراً إضافياً في الضوء يمكن للعلماء رصده.
ويحمل «رومان» أيضاً جهازاً تجريبياً يسمى «كوروناغراف»، طوره مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا» لحجب الضوء الشديد للنجم حتى تصبح رؤية الأجرام الخافتة الموجودة بالقرب منه ممكنة.
ويقول المختبر إن الجهاز صمم لرؤية أجسام أخفت من نجومها بما يصل إلى 100 مليون مرة. ولا يعني ذلك أن «رومان» سيبحث عن حياة خارج الأرض، لكن «ناسا» ترى أن نجاح هذه التكنولوجيا قد يمهد لمراصد مستقبلية تستطيع تصوير كواكب شبيهة بالأرض حول نجوم شبيهة بالشمس، ودراسة أغلفتها الجوية بحثاً عن مؤشرات محتملة للحياة.
سيل من البيانات
وسيترتب على قدرة «رومان» على مسح مساحات واسعة من السماء إنتاج كميات ضخمة من المعلومات. وتقول «ناسا» إنه سيرسل نحو 1.4 تيرابايت من البيانات العلمية يومياً، وهو أعلى معدل لأي مهمة فيزياء فلكية للوكالة حتى الآن.
وسيستعين العلماء بأنظمة حوسبة وتقنيات تعلم آلي وذكاء اصطناعي في التعامل مع هذه البيانات والبحث فيها عن الكواكب والمجرات والظواهر النادرة، ما يفتح المجال أيضاً أمام اكتشافات لم تكن ضمن الأهداف الأصلية للمهمة.
ويتجه التلسكوب في رحلة تستغرق نحو ثلاثة أشهر إلى منطقة تعرف باسم «نقطة لاغرانج الثانية»، على بعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض. وتوضح «ناسا» أن خصائص هذه المنطقة تسمح للمركبة بالحفاظ على مدار مستقر نسبياً بالنسبة إلى الأرض والشمس مع استهلاك محدود للوقود.
ويعمل بالقرب من المنطقة نفسها «جيمس ويب»، أكبر تلسكوب فضائي أطلق حتى الآن. لكن مهمتيهما مختلفتان؛ فـ«ويب» مصمم لدراسة أهداف محددة بعمق وتفاصيل كبيرة، بينما تتمثل ميزة «رومان» الأساسية في مسح مساحات واسعة من السماء والعثور على أعداد كبيرة من الأهداف التي يمكن دراستها لاحقاً بمراصد أخرى.
وصممت المهمة الأساسية لـ«رومان» للعمل خمس سنوات، مع إمكانية تمديدها.
وبذلك تكون تكنولوجيا بصرية طورت في الأصل لعالم الاستطلاع الأمريكي قد انتقلت، بعد أكثر من عقد من إعادة التصميم، إلى مهمة مختلفة تماماً: دراسة الجزء الأكبر من الكون الذي لا يزال مجهولاً، والبحث عن عوالم جديدة خارج نظامنا الشمسي.
وإذا جاءت قياسات «رومان» مختلفة بصورة جوهرية عما تتنبأ به النماذج الحالية، فإن أهم ما سيقدمه التلسكوب قد لا يكون اكتشاف جرم جديد، بل دفع العلماء إلى إعادة النظر في بعض التصورات التي يستخدمونها لفهم الكون.