كشفت أحدث الأبحاث العلمية الصادرة عن مركز «سيدارز-سيناي» الطبي عن مفارقة بيولوجية مذهلة تعيد صياغة مستقبل طب الفضاء، فبينما يواجه رواد الفضاء مخاطر انكماش وتدهور عضلة القلب في بيئة الجاذبية الصغرى، أثبتت التجارب أن هذه البيئة ذاتها تمثل «حاضنة مثالية» لنمو الأنسجة القلبية الاصطناعية.
وأكدت النتائج التي قدمها الباحث «أرون شارما» أن القلوب المصغرة النامية من خلايا جذعية بشرية تزدهر وتنضج في مدار الأرض بمعدلات كفاءة وسرعة تفوق نظيرتها في المختبرات الأرضية. ويفتح هذا الاختراق العلمي الباب أمام تحويل المحطات الفضائية إلى مراكز إنتاج حيوية متطورة، قادرة على توفير حلول جذرية لعمليات زرع الأعضاء واختبار الأدوية بعيداً عن قيود الجاذبية التقليدية.
وكشفت الدراسات عن حدوث تحولات فيزيولوجية غريبة لقلوب رواد الفضاء، ففي غياب الجاذبية يتجمع الدم في الرأس ويقل في القلب، ما يؤدي إلى انكماشه وضعفه وتغير شكله ليصبح أكثر استدارة، ومع ذلك اكتشف الباحثون أن زراعة «العضيات القلبية» من الصفر في الفضاء تعطي نتائج مغايرة تماماً، حيث تسمح الجاذبية المنخفضة للخلايا بالنمو بسهولة أكبر وبكميات أضخم، بعيداً عن الاضطرابات الميكانيكية التي تفرضها المفاعلات الحيوية الأرضية لإبقاء الخلايا معلقة.
تعتمد هذه التقنية على تحويل الخلايا الجذعية (المستخلصة من الجلد أو الدم) إلى خلايا قلبية متجمعة ذاتية التنظيم تبدأ بالنبض في غضون أسابيع. وأوضح شارما أن المفاعلات الأرضية تحاول محاكاة انعدام الجاذبية عبر تدوير الخلايا باستمرار، وهو ما يزعجها ويحد من جودتها. أما في محطة الفضاء الدولية، فإن الخلايا تطفو بشكل طبيعي، ما أدى إلى زيادة ملحوظة في الإنتاج لم يسبق لها مثيل في المختبرات التقليدية.
لا تقتصر أهمية هذه التجارب على تأمين صحة المسافرين إلى المريخ، بل تفتح آفاقاً لإنتاج قلوب اصطناعية بشرية على نطاق واسع لاستخدامها في اختبار الأدوية أو عمليات الزرع مستقبلاً. إن القدرة على تصنيع أنسجة بشرية حيوية في الفضاء قد تحول محطة الفضاء الدولية إلى «مصنع بيولوجي» يحل أعقد مشكلات الطب الحديث التي عجزت عنها الجاذبية الأرضية.
