شهدت الأسواق العالمية، أخيراً، حالة من الاضطراب الملحوظ، تصدرتها أزمة مالية حادة ضربت قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في أعقاب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ما دفع المستثمرين إلى الهروب الجماعي من الأصول العالية المخاطر والبحث عن ملاذات آمنة تقليدية. وفي مقدمة هذه الملاذات، برزت شركة بيركشاير هاثاواي لتشكل حصناً استثمارياً يقصده المستثمرون الفارون من عاصفة تراجع أسهم التكنولوجيا، رغم ما واجهته محفظتها الاستثمارية من تقلبات وعمليات إعادة هيكلة تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد جريج أبيل، خلفاً لوارن بافيت.
تعود جذور الأزمة الحالية إلى تصاعد القلق في الأسواق بشأن تضخم تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي وبطء العائدات المالية مقارنة بحجم الإنفاق الهائل على البنية التحتية ومراكز البيانات. وقد تفاقمت هذه المخاوف مع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي أسفرت عن تغيرات سياسية وتنظيمية مرتقبة، وسط ترجيحات بأن تؤدي سياسات الحزب الديمقراطي في ولايات حيوية ومكتظة بمراكز البيانات مثل تكساس وأوهايو إلى فرض قيود وتنظيمات أشد صرامة، ما أبطأ وتيرة نمو القطاع وأشعل موجة بيع واسعة طالت كبرى الشركات التقنية في أسوأ عملية تراجع تشهدها «وول ستريت» منذ جائحة كورونا.
في هذا السياق المضطرب، عكس تقرير أرباح شركة بيركشاير هاثاواي للربع الثالث تفاعل الشركة مع هذه التحولات؛ إذ انخفضت مكاسبها الاستثمارية بنسبة 46 % على أساس سنوي لتصل إلى 9.4 مليارات دولار، متأثرة بتقلبات أسهمها الكبرى، مثل ألفابت، وأبل، وبنك أوف أمريكا، وكوكاكولا.
ورغم هذا التراجع في المكاسب الدورية، حافظ سهم بيركشاير على جاذبيته كملاذ آمن مسجلاً مكاسب بلغت 13.6 % منذ بداية العام متجاوزاً أداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي لم يحقق سوى 7.8 %، بدعم من تركيز الشركة على قطاعات الاقتصاد التقليدي كالسكك الحديدية والطاقة والصناعة، واستمرار الإدارة في تسريع وتيرة إعادة شراء الأسهم الضخمة وعمليات الاستحواذ الاستراتيجية مثل صفقة شراء شركة بناء المنازل «تايلور موريسون».
وقد واكبت وسائل الإعلام العالمية الكبرى هذه الأزمة بتغطيات تحليلية واسعة سلطت الضوء على التحول الجذري في مزاج المستثمرين وتداعيات هروب رؤوس الأموال من قطاع التكنولوجيا. وأشارت صحيفة فايننشال تايمز في تقاريرها الاقتصادية إلى أن «موجة الذكاء الاصطناعي» بلغت مرحلة حرجة من التراجع بعد سنوات من التضخم المفرط في التقييمات، مؤكدة أن الأسواق تشهد إعادة تسعير شاملة للمخاطر مع لجوء المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة توجيه سيولتهم نحو الشركات ذات التدفقات النقدية القوية والأصول الحقيقية بعيداً عن بريق التكنولوجيا المتهاوي.
في حين أوضحت «وكالة بلومبرغ» في قراءاتها لأداء الأسواق أن الهروب من أسهم التكنولوجيا يعكس قلقاً متزايداً حيال الجدوى الاقتصادية لمشاريع مراكز البيانات المكلفة، لافتة إلى أن تداعيات انتخابات التجديد النصفي أضافت غموضاً تنظيمياً ضاعف من ضغوط البيع وأبرز أهمية الاحتفاظ بالأصول النقدية والدفاعية.
وركزت صحيفة «وول ستريت جورنال» على الدور التقليدي والدفاعي الذي تؤديه تكتلات كبرى مثل بيركشاير هاثاواي في امتصاص الصدمات، مشيرة إلى أن استراتيجية الإدارة الجديدة في تسييل جزء من الحيازات وضخ السيولة في عمليات إعادة شراء الأسهم تعكس قراءة واقعية لحالة عدم اليقين المسيطرة على الاقتصاد الكلي.
ولفتت شبكة «سي إن بي سي» في تغطيتها لحركة التداولات إلى أن التراجع الحاد في أسهم الذكاء الاصطناعي كشف عن هشاشة الاعتماد المفرط على قطاع واحد، ما دفع المستثمرين الأفراد والمؤسسات على حد سواء لإعادة اكتشاف قيمة الأسهم التشغيلية التقليدية التي تحميهم من هزات السوق العميقة.
وتؤكد هذه المعطيات المتشابكة أن الأسواق المالية العالمية تعبرها مرحلة تحول مفصلي تتخلى فيها عن مرحلة التفاؤل المفرط بقطاع الذكاء الاصطناعي لصالح الحذر الاستثماري والانضباط المالي، حيث تظهر الشركات ذات القواعد الرأسمالية الصلبة والأعمال المتنوعة قدرة فائقة على حماية أموال المستثمرين وسط عاصفة التغيرات السياسية والاقتصادية الراهنة.




