سر الكاتب الخفي بين السياسة والذكاء الاصطناعي

تستعرض صحيفة «وول ستريت جورنال» في مقال رأي بقلم الكاتب جيمس تارانتو إشكالية استخدام الذكاء الاصطناعي كـ«كاتب خفي» في صياغة المحتوى الصحفي والتنفيذي، حيث أشار المقال إلى تجربة الكاتب في الاستعانة بهذه الأدوات لمراجعة المسودات وتوليد المقترحات والبحث عن المعلومات المعقدة، مستشهداً بحديث تاريخي لمحرر رأي في «نيويورك تايمز» أكد فيه صعوبة فرض كتابة المقالات شخصياً على السياسيين دون تدني جودتها أو غيابها تماماً، ليخلص التقرير إلى أن التقنيات الحديثة تُعد امتداداً لممارسات الاستعانة بالكتاب الخفيين القائمة منذ عقود.

غير أن هذه الممارسة لم تعد تقف عند حدود النقاش النظري في الإعلام الأمريكي، بل اصطدمت بفرز واقعي شهد سقطات مهنية واضحة؛ إذ واجهت مؤسسات إعلامية كبرى مثل «سبورتس إيلوستريتد» اتهامات بإنشاء كتاب وهميين مقترنين بصور ومقالات مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي دون الشفافية المرجوة، كما اضطرت منصات كـ«وايرد» و«بزنس إنسايدر» إلى إجراء مراجعات وحذف مقالات اعتمد فيها مراسلون على الأدوات التوليدية دون تدقيق مسبق، إلى جانب الانتقادات الحادة التي طالت نشر مقالات رأي منسوبة لرؤساء تنفيذيين ومشاهير تبيّن إعدادها بخوارزميات رقمية، ما أثار شكوكاً عميقة حول مدى تعبيرها عن المواقف الحقيقية لأصحابها.

وفي سياق التعاطي القانوني والأخلاقي داخل الولايات المتحدة، يلاحظ غياب قانون اتحادي يحظر صراحة استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات طالما لم يمس الأمر حقوق الملكية الفكرية أو يتضمن تشهيراً، ورغم وجود تحركات تشريعية محلية للحد من المحتوى التخليقي في الخطابات السياسية، فإن الضابط الأكبر يظل محكوماً بالدستور الأخلاقي للمهنة؛ حيث وضعت مؤسسات كـ«وكالة الأنباء الأمريكية AP» ومعهد «بوينتر» خطوطاً حمراء تشدد على المسؤولية البشرية المطلقة عن صحة البيانات، ووجوب الإفصاح عن الشريك الرقمي، مع حظر الصياغة التلقائية لمقالات السياسيين وكبار رجال الأعمال؛ لأن الاستعانة بضغطة زر لتوليد موقف فكري يمثل خداعاً للجمهور.

ومن منظور نقدي، فإن الاستعانة السابقة بالكتاب الخفيين البشر كانت تتأسس على حوارات عميقة وفهم إنساني، في حين يعتمد الذكاء الاصطناعي على خوارزميات صماء تتنبأ بالكلمات، ما ينذر بتسطيح الخطاب العام وتحويل مقالات القادة والمشاهير إلى مجرد صدى آلي يفتقر للحرارة والأصالة، لتغدو الخطورة الحقيقية متمثلة في تنازل الإنسان عن سلطة الفكر وصناعة الموقف لصالح الآلة بداعي السرعة والسهولة.