هل أصبح مليارديرات التكنولوجيا «الأشرار» الجدد في هوليوود؟

سلطت الكاتبة مونيكا هيس الضوء، في مقال تحليلي نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، على تحول لافت في أساليب السرد السينمائي والتلفزيوني بهوليوود، يكمن في استبدال النمط التقليدي للأشرار والقتلة المتسلسلين بشخصيات نخب التكنولوجيا ورواد الأعمال في سيليكون فالي.

وتطرح الكاتبة تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان «أباطرة التكنولوجيا» قد أصبحوا في المخيلة الهوليوودية البديل الحديث للشخصيات المرعبة الكلاسيكية، مبينة أن الصورة النمطية لرواد صناعة التقنية انتقلت من مجرد عباقرة طموحين يرتدون أزياء بسيطة إلى شخصيات تدفعها نزعة الاستعلاء والقدرة التدميرية العالية، حتى باتت التكنولوجيا نفسها تُصور كأداة موجهة لإلحاق الضرر المباشر والمفاجئ بالبشرية.

وأوضحت الكاتبة في «واشنطن بوست» أن السينما والأعمال الدرامية الحديثة أصبحت تعكس حالة متزايدة من الريبة والقلق الشديدين تجاه السطوة غير المحدودة لشركات التقنية ورؤسائها التنفيذيين.

ولم يعد التهديد ينحصر في المخاوف الذهنية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي أو الخصوصية الرقمية فقط، بل امتد ليتجسد في صورة مجسدة لرواد أعمال يمارسون النفوذ بشكل يحمل سمات التهديد المباشر للسلامة الجسدية والنفسية للأفراد، على نحو يماثل حبكات أفلام الرعب الشهيرة التي أطرت القتلة المتسلسلين في القرن الماضي، لتبدو التكنولوجيا في النسخة الهوليوودية الحديثة كأنها القاتل المتخفي الذي يتربص بالجميع تحت غطاء الابتكار والتقدم العلمي.

وأثار هذا التحليل نقاشاً واسعاً ورصداً مكثفاً من كبرى وسائل الإعلام الأمريكية التي تابعت قضية تداعي الصورة الذهنية لنخب سيليكون فالي في الثقافة الشعبية.

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير لها إلى أن القلق العميق من الذكاء الاصطناعي والسطوة الرقمية أدى إلى تحول جوهري في نمط النماذج الشريرة في الفنون الإنسانية، حيث حل مهندسو البرمجيات ورؤساء الشركات التقنية محل الشرطة الفاسدة والأشرار التقليديين، مستفيدين من تزايد مخاوف الشارع الأمريكي من الهيمنة التقنية وتأثيرها على استقلالية القرار البشري.

ومن جانبها، كشفت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» أن هوليوود لطالما اعتمدت على استغلال المخاوف المجتمعية الطارئة لبناء محتواها الترفيهي، مؤكدة أن القلق الراهن من فقدان السيطرة على البيانات والشخصيات المتحكمة فيها يجعل من رواد التكنولوجيا مادة خصبة وجاهزة للسيناريوهات المعقدة والمظلمة. وأوضحت الصحيفة أن المخرجين والكتّاب يجدون في شخصيات نخب سيليكون فالي التوليفة المثالية للجمع بين النفوذ المالي المطلق والانعزال الاجتماعي، وهي المكونات ذاتها التي صنعت أعتى شخصيات الرعب في تاريخ الدراما الأمريكية.

كما أكدت مجلة «فانيتي فير» في تغطيتها للظاهرة أن السردية الهوليوودية تعكس تحولاً جذرياً في نظرة الجمهور العام لسيليكون فالي؛ فبعد عقود من تمجيد رواد الأعمال كرموز للتقدم والرفاهية، أدى غياب التنظيم الصارم للبيانات وتصاعد مخاطر الخوارزميات إلى تجريد هؤلاء الرموز من طابعهم البطولي، ليحل محله اقتناع جماهيري بوجود مخاطر حقيقية تحيط بهذه الابتكارات، ما يسوغ تقديمهم في هيئة قتلة افتراضيين أو شخصيات مضطربة تسعى للسيطرة والتدمير.

وفي السياق ذاته، لفتت شبكة «إن بي سي نيوز» الإخبارية إلى أن معالجة هوليوود الجديدة تتزامن مع تزايد التدقيق التشريعي والسياسي في واشنطن ضد هيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة.

وأضفت التغطية بعداً اجتماعياً على الظاهرة، مشيرة إلى أن استعارة رمزيّة القتلة المتسلسلين تعكس استجابة واضحة للرأي العام الذي لم يعد يرى في الابتكارات التقنية مجرد أدوات خدمية حاسوبة، بل يراها تهديداً وجودياً يتطلب مواجهة مجتمعية وتشريعية، وهو ما جعل الشاشة الفضية تعبر بوضوح عن هذه التحولات من خلال أدوات التأثير السينمائي المباشر.

يستمر هذا التحول في إنتاج مادة إعلامية ودرامية تعبر عن انحسار الهالة الذهبية التي أحاطت بقطاع التقنية لسنين طويلة. وتتفق التغطيات الصحفية التحليلية على أن النماذج البشرية المشكلة في سيليكون فالي لن تعود بسهولة إلى ثوب «المنقذ المبتكر» في الثقافة الشعبية، بل ستظل لفترة طويلة قادمة في موضع الشك والريبة، مع الاستمرار في استخدامها كرمز للشر والسطوة المعقدة التي تواجه المجتمعات الحديثة.