لم تعد الإعلانات الإلكترونية مجرد صور عابرة تظهر أثناء تصفح الإنترنت، بل تحولت في عصر الذكاء الاصطناعي إلى منظومة ذكية قادرة على تحليل السلوك البشري وفهم اهتمامات المستخدمين بدقة غير مسبوقة، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الخصوصية الرقمية.
ومع التوسع الهائل في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بات كثير من المستخدمين يشعرون بأن هواتفهم وأجهزتهم تعرف عنهم أكثر مما ينبغي، لاسيما بعدما أصبحت الإعلانات تظهر بشكل يتطابق أحياناً مع اهتماماتهم وأحاديثهم وعمليات بحثهم اليومية.
تعتمد منصات الإعلانات الحديثة على جمع كميات ضخمة من البيانات عبر ملفات تعريف الارتباط “Cookies” وتقنيات التتبع المختلفة، لرصد المواقع التي يزورها المستخدم، والمنتجات التي يبحث عنها، وحتى الوقت الذي يقضيه في قراءة محتوى معين.
وبعد جمع هذه المعلومات، تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل السلوك الرقمي وإنشاء ملف شخصي افتراضي لكل مستخدم، يتضمن اهتماماته وعاداته الشرائية وتفضيلاته، ما يسمح بعرض إعلانات مخصصة بدقة كبيرة.
وبمعنى آخر، فإن كل نقرة أو عملية بحث أو مشاهدة على الإنترنت قد تتحول إلى بيانات تُستخدم لفهمك والتأثير على قراراتك.
ويرى خبراء التقنية أن الخطر لا يكمن فقط في جمع البيانات، بل في حجم التأثير الذي تمنحه هذه المعلومات للشركات والمنصات الرقمية.
فعندما تعرف الشركات ما الذي ترغب بشرائه، أو الأماكن التي تفكر في زيارتها، أو الموضوعات التي تثير اهتمامك، تصبح قادرة على توجيه سلوكك الاستهلاكي وحتى التأثير على آرائك وتفضيلاتك بطرق غير مباشرة.
ويزداد القلق مع حقيقة أن كثيراً من المستخدمين لا يدركون حجم البيانات التي يتم جمعها عنهم، أو يوافقون على سياسات الخصوصية دون قراءة التفاصيل، ما يمنح التطبيقات والمنصات صلاحيات واسعة للوصول إلى المعلومات الشخصية.
أدوات حظر
ورغم صعوبة الهروب الكامل من منظومة التتبع الرقمي، يؤكد مختصون أن هناك خطوات بسيطة يمكن أن تقلل من حجم البيانات التي يتم جمعها عن المستخدمين، أبرزها: استخدام متصفحات تركز على الخصوصية وتمنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته، تثبيت أدوات حظر التتبع والإعلانات الموجهة، مراجعة أذونات التطبيقات وعدم منحها صلاحيات غير ضرورية، قراءة سياسات الخصوصية قبل الموافقة عليها، تقليل مشاركة المعلومات الشخصية على المنصات الرقمية.
ومع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تبدو الخصوصية الرقمية واحدة من أكبر التحديات التي تواجه المستخدمين حول العالم، في وقت تتحول فيه البيانات الشخصية إلى "ثروة رقمية" تتنافس الشركات على جمعها وتحليلها.
ويؤكد خبراء أن الوعي الرقمي لم يعد خياراً، بل ضرورة، خاصة في عالم أصبحت فيه الإعلانات قادرة على ملاحقة اهتمامات الأفراد والتنبؤ بسلوكهم قبل اتخاذ قراراتهم أحياناً.

