على بُعد مئات الأميال من سواحل الإكوادور، وفي ذات البقعة التي شهدت ملاحظات تشارلز داروين الأولى عام 1835 واستلهم منها نظريته الجوهرية عن التطور، يبدو أن فصيلة برية من النباتات قد قررت "الضغط على زر العودة".
لقد لفتت فصيلة صغيرة من الطماطم الموجودة في جزر غالاباغوس، والمعروفة علمياً باسم سولانوم بينيلي، انتباه الباحثين لأول مرة في عام 2024 خلال دراسة عن القلويدات؛ وهي مركبات طبيعية تنتجها النباتات لتعمل كمبيد حشري مدمج.
وبينما كان العلماء يحللون عينات الطماطم المنتشرة في المنطقة، لاحظ الفريق أمراً غريباً: نباتات سولانوم بينيلي من الجزر الغربية "الشابة" كانت تنتج مركبات لم تظهر في فصائل الطماطم منذ ملايين السنين.
قام الباحثون بمقارنة هذه النباتات غير العادية مع عينات من ذات الفصيلة في الجزر القديمة، ووجدوا أن طماطم الجزر الشرقية تمتلك نظام دفاع حديثاً. هذا يعني أن نباتات الجزر الغربية الأحدث لم تكن "متأخرة" في رحلة التطور، بل أظهرت حالة محتملة لما يسمى بـ "التطور العكسي".
وبينما تتميز الطماطم المعتادة بألوانها الدافئة والمشرقة، لاحظ الباحثون أن ثمار النباتات في الجزر الغربية تحمل مظهراً مختلفاً؛ إذ تميل إلى اللون الأرجواني مع عروق داكنة.
هذا الاختلاف الظاهري لم يكن مجرد صدفة، بل كان المؤشر الأول للعلماء بوجود نشاط جيني غير معتاد دفعهم للغوص في أعماق التكوين الجزيئي للنبات. ويقول آدم جوزويك، من جامعة كاليفورنيا بمقاطعة ريفرسايد: "نعتقد أن الظروف البيئية ربما شكلت ضغطاً على هذه الطماطم لتعود إلى حالتها الأصلية أو حالة أسلافها". وقد نُشرت هذه النتائج في شهر يونيو 2024 في دورية اتصالات الطبيعة العلمية.
بصمة الباذنجان
من خلال تحليل أكثر من 30 عينة طماطم، لاحظ الباحثون أن طماطم الجزر الغربية تمتلك "بصمة جزيئية" تشبه بصمة الباذنجان، وهو عضو آخر في عائلة الباذنجانيات يشترك مع الطماطم في سلف واحد.
ومن المثير للاهتمام أن البطاطس الحديثة كانت قد تطورت من سلالة طماطم برية منذ 9 ملايين عام. وبينما تطورت الطماطم الحديثة لتتوقف عن إنتاج قلويدات الباذنجان، يبدو أن تلك الموجودة في جزر غالاباغوس الغربية قد أعادت استعادة هذا الجين من "أرشيفها" العتيق.
ولم يكتفِ الفريق العلمي بمجرد الملاحظة، بل وجدوا أن تغييراً بسيطاً جداً في تكوين الأحماض الأمينية هو ما تسبب في عودة النبات إلى سمات أسلافه. وللتأكيد مخبرياً، قاموا بتعديل نباتات التبغ جينياً بنفس الطريقة ليرصدوا إنتاج تلك المركبات "القديمة"، مما أكد أن الجين العتيق لم يمت بل كان ينتظر فرصة للظهور.
مستقبل البشر
تعود أصول فصيلة سولانوم بينيلي إلى أمريكا الجنوبية، ومن المرجح أنها وصلت إلى جزر غالاباغوس عبر الطيور التي حملت بذورها قبل مليون أو مليوني عام. ورغم عدم تأكد الخبراء من موعد وصولها بالضبط، إلا أن تطور النبات لابد وأنه حدث خلال النصف مليون سنة الماضية، وهو الوقت الذي بدأت فيه الجزر الأحدث في الظهور نتيجة النشاط البركاني.
ويرى الباحثون أن هذا "النكوص" التطوري ليس مجرد فضول علمي، بل قد يكون مفتاحاً لتطوير محاصيل زراعية أكثر صلابة وقدرة على مقاومة الأمراض دون الحاجة لمبيدات كيميائية مكثفة. كما يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تساؤلات كبرى حول "المرونة الجينية" في الكائنات الأخرى، بما في ذلك البشر، وكيف يمكن للجينات الخاملة في أرشيفنا البيولوجي أن تُستدعى مجدداً لمواجهة تحديات بيئية طارئة.
يعد مصطلح "التطور العكسي" مثيراً للجدل، حيث يشير إريك هاغ، من جامعة ميريلاند، إلى قانون دولو الذي ينص على أن الصفة التي تُفقد في التطور لا يمكن استعادتها بنفس الطريقة تماماً. وبناءً عليه، يمثل هذا البحث تحدياً لهذا القانون، إذ يظهر أن التطور قد لا يسير دوماً في اتجاه واحد.
وختاماً، يشير جوزويك إلى احتمالية قيام البشر يوماً ما باستعادة جينات أسلافهم عبر الزمن، تماماً مثل الحالات النادرة لبشر يولدون بذيول بدائية، وهي سمة شوهدت في أسلاف الرئيسيات قبل أكثر من 25 مليون عام.


