تبدو الفكرة غريبة للوهلة الأولى: شركة غوغل تدخل معركة البعوض. لكن خلف الخبر قصة أوسع عن المناخ، والصحة العامة، وحدود تدخل التكنولوجيا في الطبيعة.
وفقاً لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، تسعى غوغل للحصول على موافقة وكالة حماية البيئة الأميركية لإطلاق ملايين من ذكور البعوض المعقّمة في كاليفورنيا وفلوريدا، ضمن مشروع قد يصل إلى 64 مليون بعوضة خلال عامين. وبحسب إشعار السجل الفيدرالي، قد تحصل كاليفورنيا وحدها على 32 مليون بعوضة، بمعدل 16 مليوناً في السنة الأولى ومثلها في الثانية.
تعتمد الفكرة على إطلاق ذكور بعوض لا تلسع البشر، محمّلة ببكتيريا طبيعية تُسمى "وولباخيا". وعندما تتزاوج هذه الذكور مع الإناث البرية، لا تفقس البيوض، فتتراجع أعداد البعوض مع الوقت. بهذا المعنى، لا تستخدم التقنية مبيداً كيميائياً، بل تستعمل بيولوجيا الحشرة ضد نفسها.
تأتي هذه التجربة في لحظة حساسة. فمع ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط المطر، تتوسع بيئات البعوض في مناطق لم تكن مهددة سابقاً. وتقول إدارة الصحة العامة في كاليفورنيا إن أنواعاً من البعوض القادر على نقل حمى الضنك موجودة في بعض مناطق الولاية، بينما وثقت مراكز السيطرة على الأمراض 14 إصابة محلية بالضنك في مقاطعة لوس أنجلوس خلال عام 2024. لذلك لم تعد المسألة إزعاجاً موسمياً، بل إنذاراً صحياً مرتبطاً بالمناخ.
الميزة البيئية الأبرز أن هذه التقنية قد تقلل الاعتماد على المبيدات، لأنها تستهدف نوعاً محدداً من البعوض بدلاً من رش مواد قد تؤثر في حشرات وكائنات أخرى. كما تؤكد مراكز السيطرة على الأمراض أن "وولباخيا" لا تجعل البشر أو الحيوانات مرضى، وأن استخدامها يخضع لتنظيم وكالة حماية البيئة.
لكن الكلفة البيئية لا تختفي. فإنتاج ملايين البعوض وفرزه ونقله وإطلاقه يحتاج إلى مصانع وطاقة ومراقبة دائمة. كما أن نجاح التقنية يتطلب تكراراً واستمرارية، لا حملة واحدة عابرة. وهنا يصبح السؤال: هل نعالج المشكلة من جذورها، أم نضيف طبقة تقنية فوق أزمة مناخية وحضرية أعمق؟
هناك أيضاً كلفة الثقة. فالمجتمعات المحلية تحتاج إلى معرفة أين ستُطلق هذه الحشرات، وكيف ستُقاس النتائج، ومن يتحمل المسؤولية إذا فشلت التجربة أو ظهرت آثار غير متوقعة. فحتى لو كانت المخاطر العلمية محدودة، فإن إدخال كائنات حية إلى البيئة العامة لا يجب أن يحدث من دون شفافية كاملة.
بيئياً، يرى كثير من المختصين أن خفض أعداد البعوض الحضري الغازي لا يهدد النظام البيئي غالباً، لأنه ليس عنصراً لا غنى عنه في السلسلة الغذائية. لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى مراقبة طويلة الأمد، فالطبيعة لا تتحرك بخط مستقيم، وأي فراغ بيئي قد تملؤه أنواع أخرى.
التجارب الدولية تمنح المشروع بعض الثقة، فقد أشارت وكالة البيئة الوطنية في سنغافورة إلى انخفاض كبير في بعوض "Aedes aegypti" في مناطق استخدام "وولباخيا"، كما أفاد برنامج "World Mosquito Program" بأن تجربة في إندونيسيا خفّضت إصابات الضنك بنسبة 77%. لكن نجاح تقنية في مدينة لا يعني نجاحها تلقائياً في مدينة أخرى، خصوصاً أن الحرارة والرطوبة والبيئة المحلية تؤثر في النتائج.
