من سبوتنيك إلى ديب سيك‎.. ‎الحرب الباردة "الجزء الثاني" على عرش الذكاء الاصطناعي


‏"خطوة صغيرة لإنسان، قفزة عملاقة للبشرية"

كانت هذه هي العبارة الأشهر لرائد الفضاء نيل أرمسترونغ على متن أول مركبة مأهولة تحط على سطح القمر، البعض شكك في ‏الرحلة، ولكن ما لا يمكن التشكيك فيه هو سبب رحلة المكوك أبولو 13، والذي جاء على خلفية حرب باردة بين الولايات المتحدة ‏الأمريكية والاتحاد السوفيتي آنذاك، والتي بدأها الاتحاد نفسه قبل رحلة أبولو 13 بـ13 عاماً.. وبعد 69 عاماً، عادت بوادر حرباً ربما ‏ليست بارد كبرودة الفضاء، ولكنها حرب الذكاء الاصطناعي.. تغير طرف وهو الاتحاد السوفيتي الذي حلت الصين بدلاً منه، وكانت ‏ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية الطرف الآخر في الحربين.‏

بداية الحكاية

بعد رحلة بعد نحو سبعة عقود من إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي إلى مدار الأرض، أعاد ظهور نموذج صيني منخفض ‏التكلفة للذكاء الاصطناعي إلى الواجهة سؤالاً قديماً في صورة جديدة: هل تستطيع صدمة تكنولوجية واحدة تغيير ميزان القوة بين ‏دولتين عظميين؟

أطلق الاتحاد السوفيتي «سبوتنيك 1» في الرابع من أكتوبر 1957. وكان القمر الصناعي، الذي بلغ قطره نحو 58 سنتيمتراً ووزنه ‏‏83.6 كيلوغراماً، يكمل دورة حول الأرض في نحو 98 دقيقة‎.‎

تجاوز أثر الإطلاق أبعاد القمر الصناعي الصغير. فقد أظهر أن موسكو تمتلك الصواريخ والمعرفة الهندسية اللازمة للوصول إلى ‏الفضاء قبل واشنطن، وأثار في الولايات المتحدة مخاوف من أن التكنولوجيا نفسها قد تُستخدم لإيصال أسلحة نووية لمسافات بعيدة‎.‎

ردت واشنطن بإطلاق «إكسبلورر 1» بعد أقل من أربعة أشهر، ثم أنشأت إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور وكالة الفضاء الأميركية ‏‏«ناسا» في 1958. وتحولت الصدمة إلى تعبئة في البحث العلمي والتعليم والهندسة والدفاع‎.‎

في يناير 2025، جاءت الصدمة من برنامج حاسوبي لا من صاروخ‎.‎

أثار نموذج «ديب سيك آر1» الصيني اضطراباً في أسهم التكنولوجيا، بعدما قالت الشركة إن نماذجها قادرة على منافسة أنظمة ‏أميركية أكثر كلفة باستخدام موارد حاسوبية أقل. وهبط مؤشر ناسداك في 27 يناير 2025، بينما خسرت إنفيديا نحو 590 مليار دولار ‏من قيمتها السوقية في جلسة واحدة‎.‎‏ ‏

وصف المستثمر الأميركي مارك أندريسن ذلك بأنه «لحظة سبوتنيك» للذكاء الاصطناعي. ولم يكن الوصف إعلاناً عن انتقال القيادة ‏إلى الصين بقدر ما كان إقراراً بأن الفارق الذي افترضت شركات وادي السيليكون أنه واسع ربما كان أضيق مما بدا‎.‎

فجوة تتقلص

يظهر «مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026» الصادر عن جامعة ستانفورد أن الفارق بين أفضل نموذج أميركي وأفضل منافس صيني ‏انخفض إلى نحو 2.7 في المئة في مارس 2026، بعدما تبادلت نماذج من البلدين الصدارة في مراحل منذ مطلع 2025‏‎.‎

لكن الولايات المتحدة ما زالت تتقدم في عدد النماذج البارزة ورأس المال الخاص والبنية الحاسوبية. فقد أنتجت 50 نموذجاً بارزاً في ‏‏2025 مقابل 30 للصين، وبلغ الاستثمار الخاص الأميركي في الذكاء الاصطناعي 285.9 مليار دولار، مقارنة مع 12.4 مليار دولار ‏في الصين‎.‎

وتستضيف الولايات المتحدة 5427 مركز بيانات وفق البيانات التي أوردها التقرير، وهو عدد يزيد بأكثر من عشرة أمثال على أي ‏دولة أخرى. وفي المقابل، تتقدم الصين في إجمالي براءات الذكاء الاصطناعي وحجم الأبحاث، كما تمتلك قاعدة تصنيع واسعة وسوقاً ‏كبيرة للروبوتات الصناعية

لا تشير هذه الأرقام إلى انتقال مباشر للقيادة من واشنطن إلى بكين. لكنها تظهر انتقال المنافسة من هيمنة أميركية واسعة إلى سباق ‏أكثر تقارباً، تتغير فيه الصدارة مع كل جيل من النماذج‎.‎

الرقائق في قلب الأمن القومي

في سباق الفضاء، كان الصاروخ تقنية مزدوجة الاستخدام يمكن أن تحمل مركبة فضائية أو رأساً نووياً. وفي مواجهة الذكاء ‏الاصطناعي، تؤدي الرقائق المتقدمة وقوة الحوسبة دوراً مشابهاً‎.‎

يمكن استخدام المعالجات التي تدرب النماذج في تحليل صور الأقمار الصناعية والحرب السيبرانية والمحاكاة العسكرية والأنظمة ‏الذاتية. ولهذا انتقلت أشباه الموصلات من دائرة التجارة والصناعة إلى صميم سياسات الأمن القومي‎.‎

منذ 2022، فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير بعض الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين. وقالت وزارة التجارة ‏الأميركية إن القيود تستهدف التكنولوجيا التي يمكن استخدامها في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة وتطوير الأنظمة العسكرية‎.‎‏ ‏

لكن النتائج لم تكن في اتجاه واحد. وقال مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن القيود عطلت وصول الصين إلى بعض المنتجات ‏المتقدمة، لكنها سرعت أيضاً استخدام المعالجات والمعدات الصينية، ودفعت الشركات والحكومة إلى توسيع الاستثمار في توطين ‏صناعة أشباه الموصلات‎.‎

وبذلك تحولت القيود إلى أداة لإبطاء الصين وحافز لبناء بدائل محلية في الوقت نفسه‎.‎

معادن مقابل رقائق

لا تملك الولايات المتحدة جميع نقاط الاختناق في سلاسل الإمداد‎.‎

وسعت الصين خلال 2025 و2026 نظامها لضبط تصدير المعادن الاستراتيجية والمواد ذات الاستخدام المزدوج. وقالت رويترز إن ‏عدد استفسارات الشركات الموجهة إلى وزارة التجارة الصينية بشأن الامتثال لقواعد التصدير ارتفع بشدة بعد تشديد القيود على ‏المعادن النادرة‎.‎‏ ‏

واجه موردون لشركات أميركية في الطيران وأشباه الموصلات نقصاً في الإيتريوم والسكانديوم، وهما عنصران يستخدمان بكميات ‏صغيرة لكنهما مهمان للطلاءات المقاومة للحرارة وبعض تطبيقات الرقائق والدفاع. وقالت مصادر في الصناعة إن بعض الشركات ‏اضطرت إلى تقنين الإمدادات أو وقف بعض العمليات مؤقتاً‎.‎‏ ‏

تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها نفوذاً في تصميم الرقائق المتقدمة وبرامجها وبعض معدات تصنيعها. وتملك الصين نفوذاً كبيراً في ‏معالجة المعادن النادرة وإنتاج المغناطيسات والمواد الصناعية. أما تايوان وكوريا الجنوبية واليابان وهولندا فتستضيف شركات تسيطر ‏على حلقات أخرى يصعب استبدالها سريعاً‎.‎

لذلك لا تشبه المواجهة حصاراً تقليدياً. إنها شبكة اعتماد متبادل يستطيع كل طرف استخدام بعض حلقاتها للضغط على الآخر، لكن ‏بكلفة يمكن أن تنتقل إلى الاقتصاد العالمي‎.‎

الكفاءة الصينية ورأس المال الأميركي

يطرح التفاوت بين الاستثمارات الأميركية والصينية سؤالاً عن كيفية تضييق الصين فجوة الأداء رغم تفوق الولايات المتحدة الكبير في ‏الإنفاق والحوسبة‎.‎

يقدم نقص الرقائق جزءاً من الإجابة. فقد دفع تقييد الوصول إلى بعض المعالجات الشركات الصينية إلى تحسين كفاءة التدريب ‏والتشغيل، وتقليل حجم الموارد المطلوبة لكل مهمة‎.‎

كما تستخدم شركات صينية نهج الأوزان المفتوحة، الذي يتيح للمطورين تنزيل النماذج وتشغيلها أو تعديلها وفق شروط الترخيص، بدلاً ‏من الاعتماد حصراً على خدمات سحابية مغلقة‎.‎

وفي يوليو 2026، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ في مؤتمر للذكاء الاصطناعي في شنغهاي إن تطوير التكنولوجيا يجب أن يقوم ‏على التعاون الدولي. وتقدم شركات مثل «ديب سيك» و«زد إيه آي» و«مونشوت» نماذج أقل كلفة أو مفتوحة الأوزان، سعياً إلى ‏جذب المطورين والمؤسسات داخل الصين وخارجها‎.‎‏ ‏

يغير ذلك تعريف الفوز. فقد تحتفظ شركة أميركية بأقوى نموذج، بينما يحقق نموذج صيني انتشاراً أوسع بسبب انخفاض التكلفة وقابلية ‏التعديل والتشغيل المحلي‎.‎

تحالفات تكنولوجية متنافسة

انتقلت المنافسة أيضاً إلى الدول التي تحاول الحفاظ على علاقات مع الطرفين‎.‎

أطلقت واشنطن مبادرة ‏‎«PAX SILICA»‎‏ لتأمين سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي والرقائق والمعادن الحرجة. وقال مسؤول ‏أميركي في مايو إن المبادرة لا تجبر الشركاء على الاختيار بين الولايات المتحدة والصين‎.‎

لكن رويترز ذكرت في أغسطس أن مسودة رسالة أعدتها وزارة الخارجية الأميركية حذرت الدول من أن الانضمام إلى مبادرات ‏صينية منافسة قد يتعارض مع المشاركة في الإطار الأميركي. وقالت الوكالة إنها لم تتمكن من تحديد موعد إرسال الرسالة أو ما إذا ‏كان نصها سيتغير‎.‎‏ ‏

يعكس التباين بين التصريحات العلنية والمسودة المسربة صعوبة بناء تحالف تكنولوجي مغلق في اقتصاد عالمي مترابط. فدول كثيرة ‏تعتمد على التكنولوجيا الأميركية والتجارة والاستثمارات الصينية في آن واحد‎.‎

وفي أفريقيا، أعلنت الولايات المتحدة في التاسع من سبتمبر استعدادها لمساعدة كينيا على تطوير صناعة لمعالجة المعادن الحرجة. ‏وقال مسؤول أميركي إن التعاون يستهدف بناء قطاع تعدين شفاف وجذب شركات مشروعة وتأمين سلاسل الإمداد العالمية‎.‎

وكان الرئيس الكيني وليام روتو قد قال في يونيو إن البلدين يقتربان من اتفاق يسمح بمعالجة الموارد داخل كينيا بدلاً من تصديرها ‏خاماً‎.‎

كوريا الجنوبية في مركز السباق

تبرز كوريا الجنوبية مثالاً على أن المنافسة الأميركية الصينية لا يمكن حسمها داخل البلدين وحدهما‎.‎

بلغت صادرات كوريا الجنوبية 709.4 مليار دولار بين يناير وبداية سبتمبر 2026، متجاوزة إجمالي صادرات العام السابق. وارتفعت ‏صادرات أشباه الموصلات إلى 281 مليار دولار بين يناير وأغسطس، وشكلت 41 في المئة من إجمالي صادرات البلاد خلال الفترة‎.‎

وفي التاسع من سبتمبر، قال مدير أوبن إيه آي في كوريا إن الشركة حققت تقدماً في البحث والإنتاج المشترك لرقائق الجيل المقبل مع ‏سامسونغ، من دون كشف تفاصيل فنية‎.‎

وكانت سامسونغ وSK HYNIX‏ قد وقعتا في أكتوبر 2025 خطابات نوايا لتوسيع إنتاج شرائح الذاكرة المتقدمة لمشروعات البنية ‏التحتية التابعة لأوبن إيه آي‎.‎‏ ‏

من السوق إلى الأمن القومي

ازداد البعد الأمني للمواجهة في الثامن من سبتمبر، عندما اتهمت وكالات أميركية ست شركات صينية بتنفيذ عمليات تقطير معرفي ‏على نطاق صناعي لاستخلاص قدرات من نماذج أميركية‎.‎

وشملت القائمة «ديب سيك» و«مونشوت» و«علي بابا» و«ميني ماكس» و«ستيب فن» و«زد إيه آي». وقالت الوكالات إن ‏الشركات استخرجت مليارات الرموز عبر ملايين الطلبات منذ أواخر 2024، واستهدفت نماذج طورتها شركات أميركية‎.‎

وردت وزارة التجارة الصينية بأن الادعاءات لا تستند إلى أساس واقعي أو قانوني، ووصفت التقطير بأنه أسلوب تقني محايد تستخدمه ‏الصناعة بصورة واسعة‎. ‎

التقطير في حد ذاته تقنية معروفة لتدريب نموذج أصغر باستخدام مخرجات نموذج أكبر. ويدور الخلاف حول ما إذا كانت الشركات ‏حصلت على البيانات بصورة مصرح بها والتزمت بشروط الاستخدام، وليس حول وجود التقنية نفسها‎.‎

وتزداد صعوبة الخلاف لأن واشنطن وبكين تنظران إلى النماذج المتقدمة باعتبارها أصولاً اقتصادية وأمنية، بينما يرى باحثون أن ‏مخاطر الهجمات السيبرانية والاستخدام العسكري تجعل الحوار بينهما ضرورياً‎.‎

لكن تقريراً لـرويترز في يوليو قال إن التهديد بفرض عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية قد يقوض حواراً كان مقرراً ‏بشأن سلامة التكنولوجيا‎. ‎

ديب سيك تتجه إلى سوق المال

تظهر خطط «ديب سيك» المحتملة للإدراج مدى اختلاف السباق الحالي عن المنافسة بين برنامجي الفضاء الأميركي والسوفيتي‎.‎

وقالت مصادر لـرويترز إن الشركة استعانت بـCITIC SECURITIES‏ للتحضير لطرح محتمل في سوق ‏STAR‏ في شنغهاي، ‏وإنها تستهدف بدء إجراءات الإدراج خلال 2026. ولم يُحدد توقيت الطرح أو حجمه أو تقييمه النهائي‎.‎

وجمعت الشركة نحو 7.4 مليار دولار في يونيو، وتسعى إلى جولة أخرى قد ترفع تقييمها إلى نحو 500 مليار يوان، أو 75 مليار ‏دولار‎. ‎

تكشف هذه الأرقام أن المنافسة لا تقودها الحكومات وحدها. فالشركات الخاصة والمستثمرون وصناديق الدولة ومشغلو مراكز البيانات ‏ومصنعو الرقائق جميعهم جزء من منظومة واحدة‎.‎

سباق بلا خط نهاية

كان سباق الفضاء يملك هدفاً يمكن قياسه: الوصول إلى القمر. وتحقق ذلك عندما هبط رائدا الفضاء نيل أرمسترونغ وباز ألدرين على ‏سطحه في 20 يوليو 1969‏‎.‎

أما سباق الذكاء الاصطناعي فلا يملك هدفاً واحداً‎.‎

قد يكون المعيار هو بناء أقوى نموذج، أو تحقيق ذكاء عام، أو امتلاك أكبر قدرة حاسوبية، أو نشر التكنولوجيا في عدد أكبر من الدول، ‏أو دمجها في المصانع والروبوتات والأنظمة العسكرية‎.‎

وقد تتقدم الولايات المتحدة في النماذج الأساسية ورأس المال، بينما تتفوق الصين في التصنيع والتطبيق واسع النطاق. وقد تظل الرقائق ‏المتقدمة أميركية التصميم، في حين تُصنع في آسيا وتستخدم معادن تعالجها الصين‎.‎

تجعل هذه الروابط الحديث عن حرب باردة جديدة، أو ربما هذه المرة حرباً ساخنة، مفيداً لفهم جوانب من المنافسة، لكنه مضلل إذا ‏أوحى بأن الصين نسخة من الاتحاد السوفيتي‎.‎

تتنافس الولايات المتحدة والصين داخل النظام الاقتصادي نفسه. وكل منهما قادر على إلحاق الضرر بالآخر، لكن أي فصل واسع ‏بينهما قد يلحق الضرر أيضاً بشركاتهما وحلفائهما وأسواق العالم‎.‎

أجبر سبوتنيك واشنطن في 1957 على إعادة تقييم موقعها العلمي والعسكري. وأدى «ديب سيك» وظيفة مشابهة في 2025 عندما دفع ‏الأسواق وشركات التكنولوجيا إلى إعادة النظر في كلفة تطوير الذكاء الاصطناعي وحجم التقدم الصيني‎.‎

لكن سبوتنيك أطلق سباقاً نحو مكان محدد‎.‎

أما السباق الحالي فيدور حول منظومة تمتد من المنجم إلى الرقاقة، ومن الرقاقة إلى النموذج، ومن النموذج إلى مركز البيانات، ومن ‏مركز البيانات إلى شبكة الكهرباء والمصنع والروبوت‎.‎

ولذلك قد لا يكون السؤال من سيبني أفضل نموذج، بل من سيحدد الرقائق والمعايير والبنية التحتية والتكنولوجيا التي سيعتمد عليها بقية ‏العالم‎.‎