لم تعد الألعاب الإلكترونية لهواً عابراً على أطراف اليوم، ولا شاشة صغيرة يلوذ بها اللاعب وحده في عزلته. لقد غدت صناعة واسعة الأبواب، تتداخل فيها التقنية مع الإبداع، ويتجاور فيها المطورون مع صناع المحتوى، وتلتقي حولها الشركات والجامعات والمستثمرون واللاعبون، كأنها مدينة جديدة تنمو داخل المدينة.
ومن هذا الإدراك، جاءت «خلوة دبي للألعاب الإلكترونية» لتجمع صناع القرار والشركاء والمطورين واللاعبين تحت سقف واحد، في خطوة تؤكد أن دبي لا تنظر إلى الألعاب الإلكترونية بوصفها قطاعاً ترفيهياً فحسب، وإنما باعتبارها إحدى صناعات المستقبل التي تستطيع أن تضيف إلى اقتصادها الرقمي باباً جديداً من أبواب النمو.
وخلال الخلوة، كشفت الأرقام التي عرضها خلفان جمعة بلهول، رئيس لجنة دبي للألعاب الإلكترونية، عن اتساع القاعدة التي تقف عليها دبي اليوم، إذ تضم الإمارة أكثر من 360 شركة ألعاب، منها 260 شركة متخصصة في تطوير الألعاب، كما استقطب القطاع أكثر من 60 شركة جديدة منذ إطلاق «برنامج دبي للألعاب 2033»، محققاً نمواً سنوياً بلغ 16.6 في المئة.
أفق عالمي
تأتي هذه الأرقام في زمن تتقدم فيه صناعة الألعاب الإلكترونية على كثير من الصناعات الإبداعية الكبرى. ووفقاً لتقديرات «نيوزو»، يتجه سوق الألعاب العالمي إلى مستويات قياسية، إذ أشارت تقديرات منشورة إلى أن إيرادات القطاع بلغت نحو 197 مليار دولار في 2025، بنمو سنوي قدره 7.5 في المئة، فيما أظهرت تقديرات أحدث لـ«نيوزو»، الصحيفة المختصة بأخبار تكنولوجيا الألعاب أن السوق العالمية أغلقت عام 2025 عند 201.6 مليار دولار، متجاوزة حاجز 200 مليار دولار للمرة الأولى.
وتشير «نيوزو» كذلك إلى أن قاعدة اللاعبين العالمية تدور حول 3.6 مليارات لاعب، وهي كتلة بشرية هائلة تكاد تختصر معنى الاتصال الرقمي في هذا العصر، إذ لم يعد اللاعب مستهلكاً فقط، وإنما صار مبتكراً ومشاركاً ومؤثراً في اقتصاد يمتد من تطوير الألعاب إلى البث المباشر، ومن الرياضات الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي وصناعة الأجهزة والمحتوى.
ومن هنا يبرز السؤال الذي طرحته الخلوة في جوهرها: أي المدن ستقود مستقبل هذه الصناعة؟ فدبي، التي يقع نصف لاعبي العالم تقريباً ضمن نطاق رحلات جوية لا تتجاوز ثماني ساعات منها، تملك موقعاً لا يقاس بالجغرافيا وحدها، وإنما بما تتيحه من عبور بين الأسواق واللغات والمواهب.
دبي أولاً
لم تبدأ دبي من الصفر. فقد أطلق سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي «برنامج دبي للألعاب 2033» في عام 2023، بهدف جعل الإمارة بين أفضل 10 مدن عالمية في قطاع الألعاب، وخلق 30 ألف وظيفة جديدة، ورفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي بنحو مليار دولار بحلول 2033.
ويرتكز البرنامج، بحسب الموقع الرسمي لـ«برنامج دبي للألعاب 2033»، على ثلاثة محاور رئيسية هي المواهب والمحتوى والتقنية، بما يجعل من دبي منصة عالمية تجمع مطوري المحتوى الرقمي، وتفتح لهم مسارات التدريب والعمل بالتعاون مع الشركات العالمية والجامعات والمؤسسات الأكاديمية.
وفي هذا السياق، لم تكن الخلوة مجرد لقاء بروتوكولي، وإنما مساحة عمل وسؤال ومراجعة. فقد شدد المتحدثون على أن أفضل بيئات الألعاب لا تبنيها جهة واحدة، وإنما يصنعها المجتمع الحاضر في الغرفة: المطور واللاعب والمستثمر والجامعة والإعلام والحكومة.
رؤية مشتركة
قالت سعادة نهال بدري، الأمين العام لمجلس دبي للإعلام، إن الهدف من الخلوة هو جمع الشركاء الرئيسيين وكل الموجودين في قطاع الألعاب الإلكترونية تحت مظلة واحدة، لأن آراءهم مهمة في بناء المرحلة المقبلة. وأكدت أن مجلس دبي للإعلام، برؤية سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، يعمل على تنمية هذا القطاع من مختلف جوانبه، وأن ذلك لا يمكن أن يتحقق من جهة واحدة، وإنما يحتاج إلى حضور الشركاء ومشاركتهم.
وأوضحت أن المبادرة تعد الأولى من نوعها في دبي من حيث جمع هذا العدد من المعنيين بالقطاع، ليس من الشركات فقط، وإنما من اللاعبين وصناع الألعاب ومجتمع المهتمين، مشيرة إلى أن الخطوة التالية هي بناء بيئة واضحة وبنية تحتية متكاملة لهذا القطاع، مع مبادرات جديدة سيشهدها المستقبل.
هذا المعنى كان حاضراً في كلمات المشاركين، إذ بدت الخلوة كأنها جسر بين جيلين: جيل بدأ ذاكرته مع «أتاري» و«كومودور 64» و«سيغا ماستر سيستم» و«سبيس إنفيدرز» و«صخر»، وجيل يعيش اليوم ألعاب «ماريو كارت» و«مورتال كومبات» و«كاونتر سترايك» و«فورزا» و«غراند ثفت أوتو» و«فيفا» و«ويننغ إليفن فاينل إيفولوشن 6». وبين الحنين القديم والحضور الجديد، تتغير قابلية اللعب نفسها، وتتحول اللعبة من شريط وذاكرة إلى اقتصاد كامل من النقاط والجلود الرقمية والمنصات والبث والبطولات.
مواهب ناشئة
من أبرز ما يلفت في المشهد أن دبي تراهن على بناء الإنسان قبل بناء المنصة. فالحديث عن برنامج منح دراسية، وعن مناهج جديدة في الألعاب في الجامعة الأمريكية في دبي، وعن الحاضنات التي تستقبل المطورين الشباب، يكشف أن الإمارة ترى في التعليم رافداً حاسماً لصناعة الألعاب.
وقالت مريم خالد لوتاه، وهي مصممة ألعاب وخريجة حديثة من جامعة نيويورك، إنها تعمل ضمن فريق صغير من أربعة أشخاص على تطوير ألعاب رعب، حيث يتولى الفريق تصميم الفن والبرمجة وبناء عناصر اللعبة. وأكدت أن دبي داعمة لهذا المجال، وأنها سعيدة بالتواصل مع مطوري الألعاب في الإمارة، لأن دبي، على حد تعبيرها، «كلها فرص».
أما تميم آل علي، وهو صانع محتوى في مجال البث، فرأى أن صانع المحتوى يشكل بوابة التأثير الأولى للاعبين، وأن وجوده في مثل هذه الفعاليات يفتح أمامه مجال الدخول إلى الأعمال وتطوير الألعاب. وقال إن أكثر ما لفت انتباهه هو البنية التحتية المتخصصة التي باتت دبي توفرها للاعبين، حيث يمكن للمواهب أن تؤسس وتطور وتبني حضورها من داخل المدينة.
إعلام جديد
من جهته، قال خليفة الشامسي، لاعب مشارك، إن الخلوة تمثل فرصة جديدة للإعلام، لأن الألعاب الإلكترونية أصبحت منصة إعلامية عالمية حاضرة منذ زمن في اليابان وأميركا والغرب، بينما تحتاج المنطقة إلى حضور أوسع فيها. وأعرب عن فخره بدخول دبي هذا المجال، مشيراً إلى أنه تعرف خلال الخلوة إلى استوديوهات إماراتية تطور ألعابها، وتحظى باهتمام ورعاية من شركات عالمية مثل «سوني» و«إنفيديا».
وهنا تبرز قيمة الإعلام في صناعة الألعاب. فالقطاع ما زال، في كثير من المجتمعات، أسير صور ضيقة تختصره في الإدمان والعزلة، بينما تكشف التجارب الحديثة أنه مجال لتعلم المهارات الناعمة، من العمل الجماعي وحل المشكلات إلى التفاوض والقيادة وسرعة القرار. وقد أشار المشاركون في الخلوة إلى أن خبرات اللعب باتت تظهر أثرها في سوق العمل، وأن بعض البرامج العالمية باتت تساعد آلاف الأشخاص على تحويل ما تعلموه في الألعاب إلى مهارات مهنية قابلة للقياس.
تقنية مبدعة
في جلسات الخلوة، كان حضور التقنية واضحاً من خلال شركات عالمية مثل «إنفيديا» و«إكسولا» و«غود غيم كومباني». وأكدت شانتيل تافيد، رئيسة التسويق في «إنفيديا»، أن هناك تداخلاً كبيراً بين اللاعبين وصناع المحتوى، وأن دور الشركة هو تمكين هؤلاء من استخدام التقنية للتعبير عما يريدون صنعه.
وتحدثت عن تقنيات مثل «دي إل إس إس» ومسرعات «آر تي إكس»، وعن توفير أدوات تجارية متساوية للاستوديوهات في أكثر من 200 دولة، بصرف النظر عن حجمها أو موقعها. كما أشارت إلى دعم الاستوديوهات الأقل تمثيلاً في الأسواق الناشئة عبر برامج تدريب ومنح للمشاركة في فعاليات عالمية مثل «مؤتمر مطوري الألعاب» و«غيمزكوم»، إضافة إلى مبادرات لتقدير النساء في الألعاب وإبراز المواهب المحلية عبر «إنفيديا ستوديو نايتس».
هذا التوجه يعكس فهماً أعمق للصناعة. فالألعاب لم تعد مجرد كود وصورة وصوت، وإنما مساحة يتقاطع فيها الذكاء الاصطناعي مع الرسوميات، وتلتقي فيها المهارة التجارية مع الحكاية، وتتصل فيها المنصات العالمية بالمواهب المحلية.
نمو إقليمي
وتكتسب دبي قوة إضافية من موقعها داخل منطقة تعد من أسرع مناطق العالم نمواً في الألعاب. فوفقاً لـ«نيوزو»، كانت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا الأسرع نمواً عالمياً في 2025 بمعدل نمو سنوي بلغ 15 في المئة، مع توقع استمرار نموها فوق المتوسط العالمي حتى 2028، مدفوعة بانتشار الهواتف الذكية وتطور بنية الدفع الرقمية.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن سوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يواصل التفوق في سرعة النمو مقارنة بالمناطق الأخرى، مدعوماً بقاعدة شبابية واسعة وارتفاع الإقبال على الألعاب المحمولة والرياضات الإلكترونية.
لهذا لا يبدو طموح دبي منفصلاً عن سياقه. فالمدينة التي بنت حضورها العالمي في الطيران والسياحة والتجارة والمال والتقنية، تنظر اليوم إلى الألعاب بوصفها اقتصاداً سريع الحركة، يحتاج إلى بنية تجارية لا تقل أهمية عن البنية التقنية. وكما قال أحد المشاركين في الخلوة، فإن النوايا الطيبة والمشاريع الجميلة لا تعيش طويلاً ما لم تسندها خطة عمل واضحة.
صناعة جامعة
خلوة دبي للألعاب الإلكترونية لم تطرح الألعاب بوصفها عالماً منفصلاً عن الاقتصاد، وإنما بوصفها نظاماً عالمياً يجمع التكنولوجيا والإبداع والتعليم والتجارة والإعلام. وفي هذا النظام، يملك اللاعب طريقاً إلى التطوير، ويملك المطور طريقاً إلى السوق، ويملك صانع المحتوى طريقاً إلى التأثير، وتملك المدينة طريقاً إلى صناعة جديدة.
والأهم أن دبي لا تريد أن تكون ساحة استهلاك فقط، وإنما بيئة إنتاج واستقطاب وتصدير. فهي تبني منظومة موصولة، تبدأ من الموهبة الصغيرة، وتمتد إلى الاستوديو، ثم إلى الناشر والمستثمر والمنصة العالمية.
في نهاية الخلوة، بدا أن السؤال لم يعد: هل الألعاب الإلكترونية مهمة؟ فقد أجابت الأرقام والوجوه والقصص عن ذلك. السؤال الأجدر اليوم هو: كيف نجعل دبي من المدن التي تكتب الفصل المقبل من هذه الصناعة؟ ومن الواضح أن الإجابة بدأت تتشكل، لا في وثيقة واحدة، وإنما في مجتمع كامل اجتمع ليقول إن المستقبل قد يبدأ أحياناً من لعبة.






