مستنقع بيئي واقتصادي يلتهم كوكب الأرض.. العالم يسبح في بحر "الليثيوم"‏


تمثل المسطحات المائية 75% من سطح الكرة الأرضية، لذلك حولنا جميعا بحر أو نهر أو قناة مائية، نعيش معها في سلام، ولكن ‏هناك خطر بدأ يحاوطنا من كل مكان ليس ماءً، ولكننا بتنا مضطرين للسباحة فيه من كثر إحاطته لنا جميعاً، إنه "بحر الليثيوم أيون"، ‏هو ليس بحراً حقيقياً ولكنه صار خطراً يحيط بالجميع ويهدد مستقبل الكرة الأرضية.. فما هي حكاية "بحر الليثيوم أيوم" وما هي ‏خطورته؟

في كل زاوية من زوايا حياتنا اليومية، بتنا نسبح فعلياً في «بحر من الليثيوم». من الهواتف الذكية والحواسيب، مروراً بالساعات ‏الذكية والسجائر الإلكترونية ذات الاستخدام الواحد، وصولاً إلى السيارات الكهربائية التي تعج بها الشوارع؛ يطوقنا طوق لا مرئي ‏من بطاريات «الليثيوم-أيون». ولكن، حين نُخضع هذه الصناعة لعدسة الأرقام والتقارير الدولية الموثقة، تتكشف أمامنا حقائق ‏اقتصادية وبيئية صادمة.‏

وفقاً لتقرير «توقعات المركبات الكهربائية العالمية 2026 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية ‏IEA، قفز الطلب على بطاريات السيارات ‏الكهربائية ليبلغ 1.2 تيراواط/ساعة في عام 2025، بزيادة تقارب 30% عن العام السابق. وفي السياق ذاته، تشير توقعات مؤسسة ‏‏"ماكنزي" في تقاريرها حول مستقبل البطاريات، إلى أن حجم السوق العالمي للسلسلة القيمية لبطاريات الليثيوم-أيون قد يتجاوز 400 ‏مليار دولار بطلب يصل إلى 4.7 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030.‏

لكن هذا الضخ الاستثماري الهائل خلق أزمة هيكلية. فقد حذر الأكاديمي بالأكاديمية الصينية للعلوم، أويانغ مينغاو، من خطر ما يُعرف ‏بالسعة الزائدة "‏OVERCAPACITY‏". وأكد في تصريحاته أن قدرة إنتاج البطاريات في الصين وحدها قد تصل إلى 3000 ‏جيجاواط/ساعة، في حين أن حجم الشحنات المطلوبة فعلياً لن يتجاوز 1200 جيجاواط/ساعة. ‏

هذا الفائض أدى إلى حرب أسعار طاحنة، حيث رصدت وكالة الطاقة الدولية انخفاض أسعار البطاريات في الصين بنسبة 30% ‏مقارنة بأمريكا الشمالية في 2025.‏

خريطة الاستهلاك

لم يعد الاستهلاك مقتصراً على السيارات الكهربائية التي تستحوذ على أكثر من 70% من السوق العالمي بحسب ‏IEA‏. فقد كشف ‏تقرير صدر عام 2026 عن مؤسسة "إنفولينك للاستشارات"، أن قطاع أنظمة تخزين الطاقة ‏ESS‏ سجل قفزة هائلة ليبلغ 275.3 ‏جيجاواط/ساعة في 2025، بزيادة قدرها 61.3%. ويعود هذا النمو الانفجاري إلى طفرة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات التي ‏تتطلب أنظمة تخزين طاقة عملاقة لضمان استقرار الشبكات، مع توقعات بإضافة 353.4 جيجاواط/ساعة جديدة بنهاية 2026.‏

على الجانب الآخر من هذا التقدم، تقبع أزمة بيئية صامتة وخطيرة تتمثل في الإلكترونيات الاستهلاكية سريعة التلف.‏

تشير أحدث أبحاث مؤسسة ‏MATERIAL FOCUS‏ البريطانية لعام 2026، إلى أنه يتم التخلص من أكثر من 6 ملايين سيجارة ‏إلكترونية أسبوعياً في المملكة المتحدة وحدها، رغم تشريعات الحظر الأخيرة. ويشير تقرير صادر عن البرلمان البريطاني إلى أن هذا ‏الهدر العبثي يتسبب في إلقاء نحو 10 أطنان من الليثيوم النقي سنوياً في مكبات النفايات؛ وهو ما يعادل المواد اللازمة لصناعة ‏بطاريات لنحو 1200 إلى 5000 سيارة كهربائية.‏

المصير المجهول.. حرائق وسموم تضرب البنية التحتية

لا تقتصر الأزمة على إهدار الموارد الثمينة، بل تتعداها إلى كوارث تشغيلية وبيئية. فقد سجلت شركة «فيوليا‏‎» VEOLIA‏ لإدارة ‏النفايات في بريطانيا وقوع حادث حريق واحد يومياً تقريباً في مركباتها أو منشآتها، والسبب الرئيسي هو بطاريات الليثيوم-أيون ‏المخفية داخل الأجهزة المهملة التي تتعرض للثقب أو الضغط أثناء عمليات الفرز.‏

علاوة على ذلك، تحذر تقارير الصحة العامة والبيئة من أن تحلل هذه البطاريات في مكبات النفايات المفتوحة يؤدي إلى تسرب ‏عناصر شديدة السمية مثل الليثيوم، والكوبالت، والنيكل، وبقايا النيكوتين السائل إلى التربة والمياه الجوفية، مما يخلق تلوثاً طويل الأمد.‏

صارخة؛ فالتكنولوجيا التي صُممت لتقليل الانبعاثات الكربونية ودعم الطاقة النظيفة، تبني جبالاً من النفايات الخطرة. وتُجمع ‏المؤسسات الاستشارية مثل "وود ماكنزي" على أن استدامة هذا الاقتصاد مرهونة بتطوير بنية تحتية عالمية قادرة على استعادة هذه ‏المعادن، أو ما يُعرف بالتعدين الحضري "‏URBAN MINING‏". بدون تفعيل اقتصاد دائري حقيقي يُعيد تدوير هذه البطاريات، فإن ‏بحر الليثيوم الذي نسبح فيه اليوم سيتحول حتماً إلى مستنقع بيئي واقتصادي غداً.‏