الاقتصاد العالمي ليس خطوطاً متوازية وإنما دوائر متداخلة ومترابطة، وارتفاعات الأسعار وهبوطها في مجالات يؤثر على مجالات أخرى، بل وربما مجالات غير مرتبطة نهائياً في كثير من الأوقات تتأثر ببعضها البعض، واقتصاد التكنولوجيا على وجه الخصوص تأثير الفراشة يهزه بقوة ويؤثر فيه، فما بالنا بالتأثير الجيوسياسي والاقتصادي العالمي الحالي، والذي جعل التكنولوجيا تئن من ألم ارتفاع الأسعار في العديد من القطاعات.
الحقيقة أن كثيرين انتظروا وترقبوا انخفاض أسعار الرامات والذي ضرب العالم أجمع، باعتباره ظرف طارئ وسيمر، إلا أن الأمر يبدو وكأنه ينتشر ويستمر ويتوغل بشكل أكبر، ويتجاوز مرحلة الرامات ليمتد إلى كل وحدات التخزين، ويضرب صناعة الكمبيوترات سواء المنزلية أو المحمولة إضافة على الهواتف الذكية، وحتى وحدات تحكم الألعاب والأجهزة المتخصصة.. فماذا يحدث في سوق التكنولوجيا؟!
لم يعد ارتفاع أسعار وحدات التخزين وبطاقات الذاكرة مجرد شكوى متكررة من المصورين وصنّاع المحتوى ومستخدمي الحواسيب، بل بات انعكاساً مباشراً لتحول أعمق يضرب سلاسل توريد التكنولوجيا حول العالم. فبينما تتسابق شركات الذكاء الاصطناعي إلى بناء مراكز بيانات أضخم وأسرع، تتسع الفجوة بين ما يحتاجه هذا السباق من رقائق الذاكرة والتخزين، وبين ما يتبقى لأسواق الأجهزة الاستهلاكية التي يعتمد عليها ملايين المستخدمين يومياً.
مراكز البيانات
وبحسب تقديرات متداولة في الصناعة، فإن مراكز البيانات، التقليدية منها وتلك المخصصة للذكاء الاصطناعي، قد تستحوذ خلال 2026 على أكثر من 70% من إنتاج رقائق الذاكرة المتقدمة، في وقت تتجه فيه الشركات الكبرى إلى توقيع عقود توريد طويلة الأجل بأسعار مرتفعة لضمان الإمدادات، وهو ما يترك قطاعات أخرى، من الهواتف والحواسيب إلى الكاميرات ووحدات التخزين الشخصية، تحت ضغط نقص المعروض وارتفاع الكلفة.
هذه القفزة لم تأتِ من فراغ، فوفقاً لتحليلات مؤسسة المعلومات العالمية IDC، فإن الأزمة الحالية ليست مجرد دورة تقليدية من اختلال العرض والطلب، بل تعكس إعادة توجيه استراتيجية لقدرات تصنيع الذاكرة عالمياً نحو الاستخدامات الأعلى ربحية، وعلى رأسها الخوادم والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتتوقع المؤسسة أن يظل نمو معروض DRAM وNAND في 2026 دون المعدلات التاريخية، عند نحو 16% و17% على التوالي، وهو ما يزيد الضغط على مصنّعي الأجهزة الاستهلاكية.
ويرى محللون أن ما يحدث اليوم هو نتيجة ما يشبه «العاصفة المثالية»، ففي عامي 2022 و2023، تعرض سوق الذاكرة لتراجع حاد في الطلب، ما دفع المصنعين إلى خفض الإنتاج وتقليص الاستثمارات لتفادي مزيد من الخسائر، لكن مع الانفجار السريع في الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي منذ النصف الثاني من 2025، وجد السوق نفسه أمام طلب تاريخي على رقائق الذاكرة في وقت لم تكن فيه القدرات الإنتاجية مهيأة لهذا التحول الحاد.
ويأتي ذلك في الوقت الذي تتضرر فيه سلاسل التوريد بسبب الأوضاع السياسية والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، والإضرار بمضيق هرمز، إضافة إلى وضع الحرب برمتها، الذي يضر باقتصاد العالم أجمع، والتكنولوجيا كلها جزء من الاقتصاد العالمي، وبكل تأكيد يتضرر بسبب الأوضاع العالمية.
شح الإمدادات
وقالت TRENDFORCE إن الطلب القوي من خوادم الذكاء الاصطناعي، إلى جانب توجه مزودي الخدمات السحابية إلى تأمين الإمدادات عبر عقود طويلة الأجل، يدفع أسعار الذاكرة التعاقدية إلى مزيد من الارتفاع. كما أشارت إلى أن شحّ الإمدادات في سعات NAND المنخفضة بات يضغط أيضاً على سوق الهواتف الذكية، مع توقع نمو متوسط السعة التخزينية للهواتف في 2026 بنحو 4.8% فقط، في دلالة على أن السوق لم يعد يتحرك وفق الوتيرة المعتادة.
وواقع الأمر أن الضغوط لم تعد نظرية، فقد شهدت السوق بالفعل مؤشرات عملية على اتساع الأزمة، إذ أفادت تقارير بأن SANDISK رفعت أسعار بعض وحدات التخزين بما يصل إلى 2.8 مرة، مع تركيز متزايد على توريد حلول التخزين الأعلى ربحية لقطاع المؤسسات ومراكز البيانات.
كما أعلنت SONY في اليابان تعليق استقبال طلبات معظم بطاقات الذاكرة من فئات CFEXPRESS وSD اعتباراً من 27 مارس 2026، مرجعة القرار إلى نقص عالمي في أشباه الموصلات وعوامل أخرى مرتبطة بسلاسل الإمداد.
وبدا أثر ذلك واضحاً بصورة خاصة لدى شريحة المصورين ومنتجي الفيديو، الذين يعتمدون على بطاقات التخزين عالية الأداء في أعمالهم اليومية. فقرار SONY، وإن كان محصوراً في اليابان حتى الآن، عكس حجم الضغط الذي تتعرض له الشركات حتى في خطوط المنتجات الاحترافية، وأثار مخاوف من أن يتحول نقص بطاقات الذاكرة من أزمة أسعار إلى أزمة توافر أيضاً.
انكماش
ولا يتوقف الأثر عند التخزين المنفصل، فـIDC تتوقع أن ينكمش سوق الحواسيب الشخصية عالمياً في 2026 بنحو 11.3%، في حين تتراجع شحنات الهواتف الذكية 12.9% إلى نحو 1.12 مليار جهاز، مع ارتفاع متوسطات الأسعار نتيجة زيادة تكاليف الذاكرة والتخزين. وتقول المؤسسة إن بعض المصنعين قد يلجؤون إلى طرح أجهزة بذاكرة وسعات أقل من المعتاد عند النقطة السعرية نفسها، بدلاً من تحمل الكلفة بالكامل.
وتذهب مؤسسات بحثية أخرى في الاتجاه نفسه، فقد توقعت "كاونتربوينت" للأبحاث تراجع شحنات الحواسيب عالمياً بنحو 5% في 2026 بفعل ارتفاع أسعار الذاكرة، بينما رجّحت أن يكون الضغط أشد على الفئات الاقتصادية والمتوسطة، كما حذّرت من أن الشركات التي تعتمد بشكل أكبر على الأجهزة ذات الأسعار المنخفضة ستكون أكثر عرضة للتراجع أو فقدان الحصة السوقية.
أما على مستوى الخبراء، فيرى سريني باجوري من "آر بي سي كابيتال ماركت" أن قوة تسعير رقائق الذاكرة مرشحة للاستمرار حتى 2027، مع استمرار ضيق المعروض وارتفاع الطلب من مراكز البيانات، كما يلفت محللون آخرون إلى أن المنتجين لا يتجهون بسرعة إلى بناء طاقات جديدة ضخمة، ليس فقط بسبب الكلفة العالية وطول دورة إنشاء المصانع، بل أيضاً خشية تكرار الانهيارات السعرية التي شهدها القطاع في دورات سابقة.
ويزيد المشهد تعقيداً دخول العوامل الجيوسياسية على خط الأزمة، فالتقلبات التجارية، والقيود المتبادلة على بعض المكونات والمواد الحيوية، إلى جانب اضطرابات أسواق الهيليوم المرتبط بصناعة الرقائق، كلها تضيف طبقة جديدة من المخاطر على سلاسل الإمداد.
تحذير
في تقرير حديث، حذرت وول ستريت جورنال من أن تعطل إمدادات الهيليوم، وهو عنصر أساسي في تبريد معدات تصنيع الرقائق، قد يفاقم الاختناقات القائمة أصلاً في الصناعات التقنية والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
تأثير الفراشة هو أن أقل تأثير هامشي لعامل من العوامل الجانبية قد يمتد ويتضاعف ويصبح تأثيراً عملاقاً مع مرور الوقت، وما يحدث في سوق التكنولوجيا برمته، وكأنه تفاعل سلسلة، كل الأمور تؤدي إلى أضرار متتابعة وارتفاع في أسعار كل شيء، فالذكاء الاصطناعي لم يعد يؤثر فقط في طبيعة البرمجيات والخدمات الرقمية، بل بدأ يغير أيضاً الاقتصاد المادي للأجهزة التي يستخدمها الناس يومياً، وما كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه سباقاً بعيداً بين عمالقة التكنولوجيا، بات ينعكس مباشرة على أسعار بطاقات الذاكرة، ووحدات التخزين، والهواتف، والحواسيب المحمولة، وبينما تراهن الشركات الكبرى على المستقبل، يبدو أن المستهلك العادي وصنّاع المحتوى والمهنيين المستقلين، بل وحتى مستخدمين الأجهزة العاديين هم من يدفعون اليوم الكلفة الأسرع لهذا التحول.
