اليوم؛ وقد رسمت دولة الإمارات خطوطاً عريضة في سجل الخير والبذل والعطاء للإنسانية جمعاء، لم تكن تقصد من وراء ذلك، أن تصبح مثالاً أو رقماً صعباً، وقد صار لها ذلك وهو حق. الواقع يؤكد بالشواهد والحقائق.. ما أكثر مؤسسات الخير في إماراتنا السبع، وما أوفر نصيب الإنسانية من عطاء رسمي وشعبي.. ذلك نهج لم يدرسه الطلبة أو يقرأه الآباء والأمهات، إنه فطرة وُجد عليها أهل البلاد حكومة وشعباً، فصار جسراً عالمياً يُضاء بنور أيادي العطاء البيضاء.. في هذه المساحة المتكررة في شهر رمضان المبارك، سنعرض غيضاً من فيض العطاء لمؤسسات الخير المنتشية بالولاء للإنسانية وحسب.

مشاهد متكررة وسيناريوهات متجددة في كل رمضان، تتجلى فيها أرقى قيم التلاحم والتسامح والشعور الإنساني، وترتقي فيها وتيرة التنافس بين أهل الخير، في مد جسور البذل والعطاء والتقدير والاحترام إلى الفقراء والمحتاجين من مختلف فئات المجتمع.. أحد أشكال هذا التنافس يتحدد في الخيام الرمضانية التي تتربع بأحجامها المتفاوتة على مساحات متقاربة، فلا تكاد تقطع بضع كيلومترات حتى تجد خيمة تستقبل بموائدها المتنوعة عشرات الأشخاص وربما المئات والآلاف، وقد يفاجأ البعض بخيام ممتدة لمسافات طويلة، وقد بُسطت من قبل أحد فاعلي الخير الذي ربما يمتنع عن مجرد ذكر اسمه من باب «لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه».

هذا الواقع ليس جديد على شعب الإمارات الذي عرف عنه تأصله بقيم التسامح والتكاتف والسخاء والعطاء، والمحافظة على العادات والتقاليد التي توارثتها أجيال متعاقبة، وقد تعززت هذه العادات بفضل القيادة الحكيمة والنظرة الثاقبة لحكام الإمارات، فأصبحت حكومة الإمارات وشعبها «علماً على رأسه نار» بالعطاء.

جهود سخية

إلى جانب المؤسسات الخيرية الكثيرة والمعروفة على مستوى العالم، تلمع جهود فردية سخية بأجمل صورها ونماذجها عبر المساهمة في نشر الخير والمعروف، ولعل من أصدق الدلائل على ذلك، ما نشاهده في هذا الشهر الفضيل، إذ يتسابق أفراد المجتمع من أجل مساعدة الفقراء والمحتاجين، فقبل أن يسدل شهر شعبان ستاره، تنصب الخيام الرمضانية الموزعة على مناطق الدولة المختلفة، لتوفر لمن انقطعت بهم السبل والفقراء والمحتاجين الذين يقصدونها وقت الإفطار، أشهى وجبات الإفطار، ويبادر في نشر هذه الخيام، المقتدرون وغير المقتدرين على حد سواء، الذين يوحدون جهودهم ويتشاركون في تحمل التكاليف من أجل اكتساب الأجر الثواب في شهر خير والعطاء.

وفي هذا التقليد الرمضاني المثالي، تختلف العادات عند أبناء الإمارات نسبياً، فلكل منهم منهج في إطعام الصائمين.. بعضهم يختار الأماكن القريبة من سكنه وفريجه، ومنهم من يتجه إلى الأماكن التي تكتظ بالفقراء والمحتاجين، وآخرون ينصبون خيامهم على الطرق الرئيسية التي تخلو نسبياً من الخدمات كالمطاعم والمساجد، ومنهم من يجوب المساجد ويشرف على توزيع الموائد بنفسه لكي تصل في النهاية هذه المساعدات إلى كل بقعة من أرض الإمارات.

استكمال الجهود

عن ذلك يقول عبدالله عبيد إن شهر رمضان هو شهر التسابق إلى الخيرات والطاعات، ويظهر فيه الحرص عند مختلف شرائح المجتمع الذين يسعون إلى توفير وجبات الإفطار للصائمين واحتياجات الأسر غير المقتدرة خلال هذا الشهر، ليكملوا بذلك الجهود التي تقوم بها مؤسسات الخير في الدولة، ويتكرر هذا المشهد في كل بقعة من أرض الامارات.

ويشير عبيد إلى أن هناك العديد من المبادرات الجميلة التي يقوم بها أفراد المجتمع، ويتنافسون فيها خلال أيام هذا الشهر الكريم، ويستشهد بذلك على أحد المشاريع الخيرية الذي يحرص عليه صديقه منذ ثلاثة أعوام متتالية، فكرته في البداية تمحورت حول إعداد الطعام وتوزيعه على الفقراء، وتطور الأمر بعدما استغل التقنيات الحديثة «البلاك بيري» لجمع التبرعات من قبل أصدقائه في العمل وأقاربه لتوفير خيمة رمضانية يقدم فيها الطعام لمئات الصائمين بشكل يومي، وإلى جانب ذلك يتولى توزيع وجبات الإفطار على المساجد المجاورة، والتي يكثر بها المارة، مشيراً إلى أن المبالغ التي حصل عليها خلال الأعوام الماضية تتضاعف كل عام، بفعل الإقبال الكبير من العديد من أهل الخير.

ويؤكد أن صديقه اتفق مع بعض الأسر الفقيرة لتحضير الوجبات وتعبئتها بمساعدة بعض المحال التجارية، من أجل توفير متطلبات الإفطار بشكل يومي، وذلك ما جعل مشروعه الخيري سهل التنفيذ، وبالإضافة إلى ذلك فقد ساهم من مشروعه السنوي في دعم بعض الأسر الفقيرة، التي تحصل على مردود مادي مقابل إعداد هذه الوجبات.

عادات راسخة

ويرى ناصر الخاطري أن الشعب الإماراتي كريم ومضياف وسباق لفعل الخير بطبعه، وقد استمد هذه السمات من العادات والتقاليد التي تربى عليها آباؤه وأجداده، فعمل الخير لا يقتصر على موسم أو فترة محددة، بل إنه يتواصل في كل وقت وحين، لكنه يبلغ ذروته في شهر رمضان المبارك لخصوصية هذا الشهر الاجتماعية والدينية والروحية. ويبقى الإفطار الجماعي من العادات الراسخة التي لاتزال خالدة لدى الكثير من أفراد المجتمع الإماراتي، وفي كثير من مناطق الدولة يجتمع أبناء «الفريج» صغاراً وكباراً في منزل واحد، ويجلب كل شخص ما لديه من أطباق، فتجمع على مائدة للرجال وأخرى للنساء، ويلتف حولها الضيوف وأبناء «الفريج» والعمال والمارة الذين يستوقفهم أهل «الفريج» قبيل ساعات الإفطار، ويصرون عليهم لتناول الإفطار معاً.

عطاء متوارث

ويوضح أحمد البدواوي أن شعب الإمارات اعتاد المواظبة على فعل الخير وتقديم كل ما يمكن من أجل الأجر والثواب، وأن خيام الإفطار الفردية التي يحرص المواطنون على توفيرها طوال أيام الشهر الفضيل، تجسد حالة من العطاء الممتد والمتوارث جيلاً بعد جيل.

ويلفت إلى أن مبادرات بعض الأفراد خلال شهر رمضان في دولة الإمارات، تفوق دون مبالغة ما تقدمه مؤسسات خيرية في دول أخرى، وذلك أمر يبعث على السرور والتفاؤل بواقع ومستقبل أبناء الإمارات المتشبثين بأصالتهم، والمنتمين إلى عطاء دولتهم وحكامهم السباقين دوماً إلى مد يد العون والمساعدة لكل من يحتاج.

 

البيوت والمساجد

 

أما عبدالله القرشي فيقول إن رمضان هو شهر التعاطف والتراحم والإيثار، وتأخذ الصدقات فيه أشكالاً وأنواعاً مختلفة، فهناك من يوزع وجبة إفطار متكاملة على الفقراء والمحتاجين، وهناك من يوصل الطعام إلى بيوت الله المنتشرة في ربوع الدولة، وأشخاص آخرون يشيدون الخيام أمام منازلهم وأمام المساجد وعلى الطرق وفي الأحياء المكتظة بالعمال، وفي بعض فرجان الإمارات، تجد السكان يتقاسمون توزيع الطعام على المساجد، إذ يتولى كل بيت مسؤولية تجهيز الإفطار ونقله إلى المسجد في يوم محدد، أو يتقاسمون الأدوار في كل يوم، وهناك أيضاً من يتفقد المساجد ويبحث عن أكثرها ازدحاماً حتى يتمكن من إطعام أكبر قدر من الصائمين.

 

 

ملامح

 

عادات أصيلة مقترنة بشهر الخير

 

يعتبر إبراهيم الهاشمي، أن خيام الإفطار الرمضانية هي واحدة من العادات التي اقترنت بشهر رمضان المبارك، إذ يتنافس في تجسيدها كل أهل الإمارات بلا استثناء، وهي ملجأ لآلاف الصائمين الذين يقصدونها في مختلف المواقع عند ساعات الغروب، وتتيح الخيام الرمضانية المنتشرة بكثرة في ربوع الوطن لكل من يفوته الوقت للوصول إلى بيته في موعد الإفطار، تناول ما لذ وطاب من الطعام والشراب الذي يظل لساعات طويلة بعد الإفطار، بفعل فائض العطاء الذي يرسخه أهل الخير.

ويؤكد أن بعض الخيام مجهزة لاستقبال أفواج كبيرة من الصائمين، ومزودة بأفضل وأشهى أصناف الشراب والطعام التي تذهب ظمأ الصائم وجوعه، وإلى جانب ذلك تساهم الخيام الخيرية في توفير المال على العاملين الذين يستقطع الطعام جزءاً من رواتبهم البسيطة، لذلك يبقى الشهر الفضيل شهر الخير والبركة والعطاء الذي لا ينضب.

 

 

مواطنون يتسابقون على الصائمين بسياراتهم للظفر بأجر إفطارهم

 

 

تتكاتف الجهود الفردية الخيرية من باب المسؤولية الاجتماعية لأبناء الوطن تجاه مجتمعهم، لتكمل مسيرة الخير التي تتبناها الجمعيات والمؤسسات الخيرية، والتي تتكثف أنشطتها خلال شهر رمضان المبارك تحديداً، وتشكل في صورتها نموذجاً للتراحم والتكاتف بين فئات المجتمع، إذ تأخذ المشاريع الخيرية الفردية أو الجماعية، أشكالاً مختلفة يتنافس الكثيرون في ترسيخها، بدءاً من خيام الإفطار الرمضانية وانتهاءً بتوزيع وجبات الإفطار على الفقراء والمحتاجين.

يقول أحمد البدواوي إن شهر رمضان المبارك هو شهر التسابق إلى فعل الخيرات، والأجر فيه مضاعف، لذلك يحرص العديد من الناس على التصدق وإطعام الفقراء، بالإضافة إلى ذلك يشعر من يتصدق في أيام شهر الخير بروحانيته. ويشير إلى أن المبادرات التي يقوم بها أفراد المجتمع عديدة ومتنوعة منها الخيام التي تزود بأصناف مختلفة من الطعام والشراب، ومن العادات المعروفة عند أبناء الامارات تجمع أبناء «الفريج» للإفطار معاً، مصطحبين معهم أبناءهم الصغار، إلى جانب العمال والفقراء، ويجلسون معاً على مائدة الإفطار.

ويضيف: في بعض مناطق الدولة تجد أن المواطنين يتسابقون في توفير خيام الإفطار في «الفرجان» وعلى الطرقات، وقبيل موعد الإفطار يجوبون بسياراتهم الأحياء القريبة والمزارع وأماكن تواجد العمال، فيحضرونهم إلى خيام الإفطار ومن ثم إعادتهم إلى أماكنهم بكل محبة وتقدير، مشيراً إلى أن الجميع يسعى إلى جمع أكبر عدد ممكن من الصائمين للظفر بالأجر والثواب، وذلك المشهد واحد من عشرات المشاهد المعبرة التي تغزو إمارات الخير في شهر الخير.