عمار الموصلي.. جراح العيون الأول وكحالها الأَلْمَعِيّ

يحفل تاريخنا العريق بأعلام بارزين أسهموا في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وكانوا وما زالوا نجوماً مشرقة في سماء العلم، نذروا أنفسهم لخدمة البشرية كافة، وقدَّموا جهوداً مشرِّفة في مجالات شتى، منها الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، وغيرها من العلوم الإنسانية، وأثَّرت جهودهم في النهضة الأوروبية تأثيراً اعترف به الأوروبيون أنفسهم.

وخلال شهر رمضان المبارك، تحيي «البيان» ذكرى هؤلاء العلماء، وترحل مع القارئ في عوالمهم الفسيحة، كاشفةً اللثام عن إنجازاتهم التي شكَّلت حلقة في مسيرة التطور، والتي قد اعترى بعضَها النسيان والظلم التاريخي أحياناً.

السَّاد أو الكاتاراكت: «Cataract» أو الماء الأبيض، مرض يصيب عدسة العين بالعتمة ويُفقدها شفافيتها فيسبب ضعفاً في البصر، وتجري معالجة العين منه عن طريق عملية جراحية. هي معلومة يسهل تحصيلها من خلال أي موسوعة أو برنامج أو موقع طبي، لكنَّ ثمة بصمة عربية إسلامية وراء هذه المعلومة، تُبرز لنا الدور المؤثر الذي نهضت به حضارتنا القديمة من أجل نفع البشرية.

كان الطبيب المسلم عمار بن علي الموصلي، المتوفى سنة 400هـ، أول من ابتكر طريقة آمنة لعلاج الساد، بتفتيته واستخراجه من العين بواسطة المقداح المجوّف الذي اخترعه وصنعه بنفسه من المعدن، بعدما أجرى تعديلات على المقداح الزجاجي الذي استعمله الطبيب اليوناني أنطليوس في القرن الثاني الميلادي، وهي الطريقة التي انتقلت بعد ذلك إلى أوروبا ومارسها أطباؤها مثل الطبيب الإنجليزي برسفال بوث.

توصيف دقيق

حدَّد عمار الموصلي، في كتابه «المنتخب في علم العين وعللها ومعالجتها بالأدوية والحديد»، جغرافية هذا المرض الذي رأى أنه يظهر في الأمكنة الحارة الرطبة وينتج عن كثرة تناول الأسماك، مقدِّماً وصفاً دقيقاً لتقنية عملية القدح التي حذَّر من إجرائها قبل نضج المرض وتمامه، وذكر أن علامة ذلك أن يفقد المريض القدرة على تمييز الألوان.

وُلد عمار في مدينة الموصل بالعراق، وتعلَّم على أيدي علمائها، وتجوَّل في بلاد كثيرة طالباً العلم، مثل خراسان وسوريا وفلسطين ومكة والمدينة، ثم رحل إلى مصر وسكنها في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي كلَّفه بتأليف كتابه، فذاع صيته وظهرت براعته بصفته أحد مشاهير أطباء العيون آنذاك، كما عُرف بخبرته في تركيب العقاقير وصناعتها، وامتاز عن غيره بالقدرة على التجديد والابتكار.

ويتألف كتاب عمار الموصلي من واحد وعشرين فصلاً في مداواة علل العين بالأدوية والآلات الجراحية، ويتضمن تجارب وممارسات للعمليات التي أجراها، وأفكاراً لم يسبقه إليها أطباء العيون المتقدمون عليه من العرب واليونانيين، ووصف فيه واحداً وخمسين مرضاً من أمراض العين مع طرائق مداواتها، مستنداً إلى منهج علمي متطور ابتدعه لنفسه، مما أهَّل الكتاب ليصبح مرجعاً رئيساً لمن جاء بعده، لذا كثرت الاقتباسات منه في كتب المتأخرين .

كما في كتابي «نور العيون» و«المرشد بطب العيون»، وتُرجم إلى اللاتينية والعبرية والألمانية، واعتُمد منهجاً دراسياً لطلاب الجامعات في أوروبا حتى القرن الثامن عشر الميلادي، ونشره محققاً الدكتور محمد رواس قلعجي والدكتور محمد ظافر الوفائي.

مذهب

تروي المصادر التاريخية أن عماراً كان يمارس طب العيون في البيمارستانات بالمدن التي كان يزورها، ويُجري جراحاته أمام طلابه الذين كانوا يحضرون ليشرح لهم كيفية التعامل مع المعضلات التي تواجههم، وفي هذا دلالة واضحة على إيمانه بأهمية الجانب التطبيقي في تدريس العلوم الطبية، وعلى مدى فضله في تربية أجيال جديدة من الأطباء الذين حملوا أمانة العلم من بعده.

ولذا، عرف المؤرخون والباحثون قدر عمار الموصلي على امتداد العصور واختلاف الثقافات، فقال عنه ابن أبي أصيبعة في كتابه «طبقات الأطباء»: «كان كحَّالاً مشهوراً، ومعالجاً مذكوراً، له خبرة بمداواة أمراض العين»، ووصفه المستشرقان مايرهوف وهيرشبورغ بأنه «من الأوائل، إن لم يكن الأول الذي أبدع في قدح العين»، وأرجع نشأت الحمارنة في موسوعته «تاريخ أطباء العيون العرب» الفضل إليه في عمليات العيون التي تجرى حتى الآن.

 

 

تعليقات

تعليقات