علي بن عيسى الكحّال.. مؤسس طب العيون

يحفل التاريخ العلمي بمؤلَّفات هائلة، تتفاوت قيمتها تبعاً لمحتواها، وحين يوصف كتاب بالتميز في جانب معيَّن، يدعونا الشغف إلى الاطلاع عليه لنلمس بأنفسنا هذا التميز الباهر، لكن عندما يقول المستشرق الألماني هيرشبرغ عن كتاب في الطب: «لا نجد في أوروبا، قبل بداية القرن الثامن عشر الميلادي، كتاباً يرقى إلى مستوى هذا الكتاب»، ندرك أننا أمام عقلية فذَّة أنتجت هذا العمل.

لم يكن علي بن عيسى بن علي الكحال، المتوفى سنة 430هـ، مجرد طبيب حاذق في أمراض العين ومداواتها التي كانوا يطلقون عليها «صناعة الكحل»، بل كان أيضاً مؤلفاً بارعاً، وضع كتابه «تذكرة الكحالين» وفق منهج علمي منطقي وأسلوب تعليمي سهل المنال، ليصبح أقدم كتاب مرجعي تاريخي، وأحد أصح الكتب وأدقِّها في هذا الفن، وليحظى باهتمام الكثير من المتخصصين من خلال الشرح والاختصار، إذ ضمَّنه معظم نظريات أطباء العيون المتقدمين العرب واليونانيين وأبحاثهم وتجاربهم ومعالجاتهم، كما وضع إلى جانب تلك النظريات نقداً علمياً واضحاً إيجابياً كان أم سلبياً، إضافة إلى معطياته وإبداعاته الشخصية وتجاربه التي حققها بممارساته ومعالجاته اليومية لمرضى العيون، مقسِّماً عمله إلى ثلاث مقالات، الأولى في تشريح طبقات العين والأعصاب والعضلات والأربطة، والثانية في أمراض الجفن كالتحجُّر والحكَّة والقروح وبثور القرنية وأمراض الحدقة، والثالثة في الأمراض الخفية عن الحسّ وأسبابها وعلاجها وأمراض الطبقة الشبكية وصحة العين والأدوية المستعملة فيها، وبلغ مجموع ما وصفه من أمراض العيون 130 مرضاً.

«شرف الدين»

ولد علي الكحال في بغداد، ولُقِّب بـ«شرف الدين»، وعُرف في أوروبا باسم «جيزوهالي: Jesyhaly»، ويُعدُّ مؤسس طب العيون العربي، وأشهر الكحَّالين العرب على الإطلاق وأوسعهم تأثيراً في المؤلفين المتأخرين، مارس فروع الطب مع تخصصه في مجال العيون الذي نبغ فيه، بعدما استوعب قدراً كبيراً ما عرفته البشرية من التراث الطبي، فتتلمذ على يد أبي الفرج الطيب، وعمل في البيمارستان العضدي، وتدل كتاباته على اطلاعه الواسع على جهود أبقراط وجالينوس وغيرهما، كما تسفر عن منهج علمي صارم اتسم به أسلوبه البحثي، مكَّنه من تقديم تصوُّر علمي واضح في طب العيون منطقي التسلسل، فهو يعتني بداية بتوضيح ماهية المرض، ثم يذكر أعراضه وعلاماته ومميزاته، وبعدها يذكر أسباب المرض ويخلص إلى وصف العلاج، كل ذلك جعل الطبيب المؤرخ ابن أبي أصيبعة يقرر أن كتاب «التذكرة» لا بد لكل من يمارس طب العيون أن يحفظه.

الإبصار .. خطوة أولى

ولم يكتسب كتاب علي الكحال هذه الشهرة والمكانة العلمية من طريقة تأليفه فحسب، بل اشتمل على إسهامات علمية استحق بها مؤلفه أن يكون إماماً في صنعته، إذ وصف التهاب الشريان الصدغي والقحفي والعلاقة بينهما والتهاب الرؤية في مرض الشقيقة، ملاحظاً الصلة بين الشرايين الملتهبة وأعراض الرؤية، وكان أول من اقترح التنويم والتخدير بالعقاقير في العمل الجراحي، وقدَّم رؤية مبدئية فسَّر بها عملية الإبصار، موضحاً أن الروح الباصر يخرج من العين ليقيس المنظورات، ثم يعود إلى العين ويدخلها ليطبع صورها على الدماغ، وهي خطوة أولى مثَّلت نقطة انطلاق بدأ منها فيما بعد الحسن بن الهيثم، واضعاً يده على أسرار الحقيقة الكاملة لعملية الإبصار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات