البيروني أعظم عقلية عرفها التاريخ

الأرض كروية وتدور، حقيقة علمية لا يجهلها أحد، لكنَّ كثيرين لا يعلمون ما وراء هذه الحقيقة من تاريخ حافل بالحوادث المثيرة للدهشة أحياناً وللشفقة أحياناً أخرى، وربما تغيب عنَّا النهايات التي صار إليها العلماء الأوروبيون ممن جهروا بهذه الكلمة، من اضطهاد ومحاكمة واتهام بالهرطقة ومنع للتدريس وإحراق للكتب، وسجن وقتل أيضاً، في حين أنصفت الحضارة الإسلامية العقل وأعلت من شأنه.

قبل أكثر من أربعة قرون من مولد العالِمين: البولندي نيكولاس كوبرنيكس والإيطالي غاليليو غاليلي، اللذين صدما المجتمع الأوروبي بآرائهما في كروية الأرض ودورانها، ودفعا ثمن ذلك غالياً، كان العالِم المسلم أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (362-440هـ) يؤلف كتابه «القانون في علم الهيئة والنجوم»، مبرهناً على كروية الأرض ودورانها حول نفسها على محور مائل وحول الشمس، ومقدِّماً تصوُّراً لقوة الجاذبية الأرضية سبق به العالِمَ الإنجليزي إسحاق نيوتن، ليهدي الكتاب إلى السلطان مسعود الغزنوي الذي شجعه على مواصلة أبحاثه، بعدما رفض البيروني مكافأته قائلاً: «كتبت كتابي هذا من أجل العلم، لا من أجل المال، فالمال يفنى والعلم خالد».

حياة قاسية

وُلد البيروني في بلدة بيرون بإقليم خوارزم، من أب يعمل في التجارة، وتوفي والده وهو صغير، فعاش حياةً قاسية، لكنها كانت حافلةً بالعلم، إذ تنقَّل بين مناطق مختلفة من آسيا الوسطى، في تركستان وأفغانستان وإيران والهند، ولقي التقدير من بعض الأمراء والسلاطين، منهم سلطان بخارى المنصور بن نوح، ودرس في شبابه علوماً مختلفة كالرياضيات والفيزياء، كما أتقن لغات عديدة إلى جانب اللغة العربية، واستفاد من ثُلَّة من العلماء الذين قابلهم وتعلَّم منهم، مثل ابن سينا، واجتهد في طلب العلم حتى ارتفعت منزلته وذاعت شهرته.

عطاء واسع

حاول البيروني التوفيق بين الفلسفة الأفلاطونية والحكمة الهندية، وسلك في طريقة بحثه مذهباً تجريبياً، خلاصته أن العلم اليقيني يجيء من إحساسات يؤلِّف بينها العقل على نمط منطقي، واعتمد على الاحتكام إلى الاستقصاء والاستيعاب والتحليل والنقد والمقارنة.

ومن خلال هذا الأساس المنهجي السليم، استطاع أن يُقدِّم أبحاثاً ودراسات مؤثرة بنتائجها العلمية في مجالات شتى، فتطرَّق إلى تكوين الأرض وتركيب سطحها وما يعتريها من الزلازل والبراكين والفيضانات، متناولاً ظاهرتي المد والجزر وبعض الظواهر الفلكية والجغرافية والجيولوجية، وتمكَّن من تحديد خطوط الطول ودوائر العرض، إضافة إلى العديد من الاكتشافات الأخرى المهمة.

ووضع جهازاً يقيس حركات الشمس والقمر، وابتكر الإسطرلاب الأسطواني المستخدم في رصد الكواكب والنجوم وتحديد أبعاد الأجسام البعيدة وارتفاعاتها عن سطح الأرض، واستنتج نظرية لحساب محيط الأرض.. واهتم بالخواص الفيزيائية لكثير من المواد..وتوصل إلى تحديد الثقل النوعي لـ18 عنصراً مركباً، مستخدماً الجهاز المخروطي، وفسَّر بعض الظواهر المتعلقة بسريان الموائع، وظاهرة المد والجزر وسريان الضوء، ولاحظ أن المعادن تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة.

وهكذا نجح أبو الريحان البيروني بعطائه الواسع في أن يكون قمة شاهقة في تاريخ العلم يشهد لها القاصي والداني، فأطلقت وكالة ناسا الفضائية اسمه على إحدى فوهات القمر عام 1951م، وقال عنه المستشرق الألماني إدورد سخاو: «إنه أعظم عقلية عرفها التاريخ».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات