ابن سينا طبيب فيلسوف أحاط بحقول المعرفة جميعاً

حضر الطبيب لعلاج الفتى المريض، بعدما حار الأطباء في علَّته، فأمسك يده وأخذ يجسُّ نبضه، بعدما أحضر رجلاً يعرف أحياء الناحية التي ينتمي إليها المريض، ليسردها على مسمعه، وحين ذكر حيّاً منها تسارع نبض الفتى، ثم بدأ الرجل يعدِّد أسماء بيوت الحي، فأسماء بنات البيت، فلمَّا بلغ اسم واحدة منهن كشف الطبيب علَّة الفتى قائلاً: «إنه عاشق، زوِّجوه تلك الفتاة»!

قبل تطور الطب الحديث، كان الحسين بن عبد الله بن سينا (370-428هـ)، الفيلسوف الرئيس، أول من اكتشف العلاقة بين الجسم والنَّفْس، واستطاع أن يعالج مرضاه بطريقة التحليل النفسي، وهو الأمر الذي تنبَّه إليه فيما بعدُ العالم النمساوي الشهير سيغموند فرويد، كما سبق ابن سينا غيره من الأطباء في دراسة العوامل النفسية التي تؤثر في الجهاز الهضمي، ولقد شغلته قضية النفس بغموضها والتساؤلات الدائرة حولها، إلى حدِّ أن اشتغل بتعريفها، وساق البراهين على وجودها، بل نظم في وصفها قصيدة فلسفية بديعة.

نشأة علمية

وُلد ابن سينا في بخارى، وكان أبوه يجتمع بأهل الفلسفة والعلم في دار للتباحث والمناظرة والمناقشة، والصبي يرى كل ذلك ويسمع، فنشأ نشأة علمية وأحب مختلف العلوم، ثم تعمَّق في دراسة علم الطب وقراءة الكتب المصنَّفة فيه، حتى ذاع صيته واتسعت شهرته، وتولى منصب رئيس وزراء شمس الدولة أمير ولاية همذان.

رائد التخدير

أسهم ابن سينا في مجال الطب إسهامات لها أثر واضح حتى يومنا هذا، إذ كان سبَّاقاً في كثير من اكتشافاته العلمية، فهو أول من حَقَنَ الإبر تحت الجلد، وأول من استخدم التخدير لإجراء العمليات الجراحية، وأول من تعمَّق في دراسة أمراض قرحة المعدة، وأول من فرَّق بين شلل الوجه الناشئ عن سبب داخلي والآخر الناشئ عن سبب خارجي، وأول من أجاد وصف الجهاز التنفسي والأمراض العصبية، وأول من وصف الديدان المعوية، فاكتشف الدودة المستديرة التي أعاد اكتشافها بعده بتسعمئة سنة العالم الإيطالي دوبيني وسمَّاها «إنكلستوما»، ولديه أيضاً العديد من الاكتشافات والعلاجات الأخرى.

موسوعة شاملة

ويُعَدُّ كتاب «القانون»، الذي تُرجم إلى اللاتينية واتخذته جامعات أوروبا مرجعاً أساسياً لتعليم الطب قروناً عدة، أكبر كتب ابن سينا وأشهرها، فهو موسوعة شاملة أودع فيها كل ما يتعلق بالطب، وتحدث فيها عن المبادئ النظرية، أي التشريح وعلم وظائف الأعضاء، كما تناول تصنيف الأمراض والأسباب والأعراض وقوانين المعالجات، وبسط القول في تركيب الأدوية، وذكر منافعها ومضارّها، ويمتاز الكتاب بالتنظيم وحسن السبك والإحاطة بكل ما يحتاج إليه الأطباء، ويدل على عبقرية في التأليف العلمي.

«الهارموني»

ولم يترك ابن سينا مجالاً من مجالات المعرفة إلا طَرَقه، مستنداً إلى منهج ينزع إلى الاستقلال في الرأي والتحرُّر من أي فكرة لا يؤدي إليها نظر عقلي، وألَّف في الفلسفة والفلك والمنطق وعلم النفس، حتى الموسيقى، فوضع قاعدة توافق الأصوات «الهارموني»، وسجَّل ذلك في كتابه «جوامع علم الموسيقى»، مما أدى إلى اختراع النوتة الموسيقية، وتنوعت أعماله لتشي بخصوبة خياله واتساع فكره، ووصفه المؤرخ الإيطالي كاستيلون بأنه «معجزة من معجزات العقل الراجح».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات