الإعلان والأعمى

جلس رجل أعمى على إحدى عتبات عمارة، واضعاً قبّعته بين قدميه، وبجانبه لوحة مكتوب عليها: «أنا أعمى، أرجوكم ساعدوني»، فمرّ رجل إعلانات بالأعمى، ووقف ليرى أنّ قبّعته لا تحوي سوى قروش قليلة، فوضع المزيد فيها من دون أن يستأذن الأعمى، وأخذ لوحته وكتب عليها عبارةً أخرى، وأعادها مكانها ومضى في طريقه.

لاحظ الأعمى أنّ قبّعته قد امتلأت بالقروش والأوراق النقديّة، فعرف أنّ شيئاً ما قد تغيّر، وأدرك أنّ ما سمعه من الكتابة هو ذلك التغيير، فسأل أحد المارة عمّا هو مكتوب عليها، فكانت الآتي: «نحن في فصل الربيع، لكنّني لا أستطيع رؤية جماله!».

انتقاء العبارات الجميلة في النصح والتوجيه، سبب من أسباب قبولها وعمل الناس بها، فكلما كان الإنسان لبقاً في حديثه مع الناس وتوجيهه لهم، كان لكلماته أثر في نفوسهم، وكلما كان الحديث مع الناس قد احتوى على قسوة وجفاء كان أبعد عن قبول الناس له، قال تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ». أي: ليكن دعاؤك للخلق إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح «بالحكمة» أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده. ومن الحكمة الدعوة إلى الله بالعلم لا بالجهل والبدء بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، لا بالتجريح وإلقاء التهم، والقذف، والسب والشتم والتشهير، فهذا منافٍ لما دعت إليه شريعتنا السمحة، من اللين واللطف وانتقاء أفضل العبارات في النصح والإرشاد.

* واعظ ديني في وزارة الداخلية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات