فضيلة الليلة المباركة ليلة القدر

خص الله تعالى هذه الأمة بخصوصية عظيمة، أدركت بها من سبقها من الأمم وفاقت عليهم، وهي ليلة القدر أي ليلة العظمة الكبيرة، أو ليلة تقدير الأرزاق والآجال والأعمال، وهي الليلة التي نوه الله تعالى بها أيما تنويه في سورة كاملة قال الله تعالى فيها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.

فأخبر الله تعالى أن هذه الليلة هي خير من ألف شهر أي من 83 عاما و3 أشهر، أي أن العمل الصالح فيها خير من العمل في هذا الزمن كله، سواء في ذلك القيام وغيره، ولكن للقيام مزية فيها يفوق سائر الطاعات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً - أي تصديقاً بالله واحتساباً الأجر عنه سبحانه- غفر له ما تقدم من ذنبه».

فيكون مغفوراً له ما سلف من أعمال، وأصبح الآن في حال آخر، عليه أن يحسن العمل فيه، وذلك لعظيم فضل هذه الليلة التي تنالها هذه الأمة المحمدية، وهي كرامة لنبيها صلى الله عليه وسلم لمَّا تقالَّ أعمار أمته مع الأمم السابقة التي كانت أكثر أعماراً وأعمالاً، فأعطاه الواهب المنان ليلة واحدة تعدل ذلك كله، كما روى مالك رحمه الله تعالى، أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرِي أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل، مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر.

فأعطاه الله ليلة القدر، خير من ألف شهر»، وعن مجاهد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، قال: فعجب المسلمون من ذلك: فأنزل الله عز وجل {إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر} التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر» أي أن هذه الليلة تفضل طول تلك الأعمار وتفضل تلك الأعمال الذي كان جهاداً في سبيله، وهذا هو الفضل المبين، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إحياء هذه الليالي العشر التي هي أرجى لياليها، ويحث أمته عليها، حتى لا يحرموا خيرها وفضلها.

فإنه من حرم خيرها فهو المحروم حقا كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في التهنئة بشهر رمضان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حرم خيرها فقد حرم» وفي رواية «فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم» أي حرم الخير الكثير الذي لا يعوض، والذي يحرم خيرها ويفوته إدراكها هو الذي لا يحيي ليالي رمضان بالقيام وقراءة القرآن والذكر، أما من كان حريصاً على ذلك في الشهر كله، وفي العشر الأخيرة بالأخص فصلى التراويح وقرأ القرآن الكريم وذكر الله وفعل ما استطاع من الخير؛ فإنه يكون قد أدرك هذه الليلة لا محالة.

إذ لا يشترط لإدراكها أن يرى تجليات إلهية من تنزل الأنوار وسجود الأشجار وجمود البحار وغير ذلك مما قد يراه بعض خواص عباد الله الأخيار، فذلك لا يد للإنسان فيه، وإنما عليه بفعل الطاعات، والإخلاص فيها لله تعالى، وعندئذ يكون قد أدرك فضيلة هذه الليلة العظيمة، فيغفر له ما تقدم من ذنبه مما هو من حقوق الله تعالى، وعليه أن يستأنف العمل.

وأما حقوق العباد من الدماء والأموال والأعراض، فإنه لا يكفرها إلا عفو أصحابها أو إعطاؤهم حقوقهم أو استحلالهم حتى يرضوا؛ لأن هذه من التبعات التي هي حقوق العباد، وقد جبلت نفوسهم على المشاحة في حقوقهم، والله تعالى حكم عدل لا تظلم نفس شيئا عنده، بل يقيم الوزن بالقسط، فإن لم تبرأ ذمة المرء من حقوق عباد الله تعالى فإن الجزاء يكون من الحسنات والسيئات، فإن كان له رصيد من الحسنات يوفِّي بها خصماءه ويبقى لهم ما ينجيه فقد فاز وربح، وإن لم يكن كذلك طرح عليه من سيئاتهم ما قد يوبقه في العذاب.

 

 

 

 

تعليقات

تعليقات