فلسفة الدعاء في شعر زايد (2-2)

قلنا في المقال السابق: إن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، عندما يتحدث في مجلسه بين شعبه أو في أي لقاء من لقاءاته، أو عندما ينظم قصائده، كان ينطلق في الحديث بعفويته وبدافع فطرته البدوية البريئة.

ـــ ولاحظنا عليه أنه كان يخلص لربه في القول وفي العمل، ويقدم لسائليه كل ما في وسعه، ويعطي عطاءه من غير منّ ولا ينتظر شكر الشاكرين، لأنه يجد نفسه موفقاً من رب العالمين ليعطي العطاء ولا يمنع؛ فالخير خير الله، وهو يحب ولا يحقد؛ فالناس كلهم عباد الله، ويبني ولا يهدم؛ وما هو إلا خليفة الله في الأرض ليعمر ولا يهدم، ويزرع ويغرس ولا يحرق، ويعدل وينصف ولا يظلم أحداً.

ـــ أقول، والله أعلم، إن زايد الطيب القلب، دعا بينه وبين ربه دعوة صادقة فاستجاب الله دعاءه. فهو إذاً امتداد لأولئك الأجداد الأبرياء الذين إذا دعوا استجاب الله دعاءهم، وهو عندما كان يستسقي في شعره على سبيل المثال كان يدعو الله من أعماق قلبه، وفي الحديث الشريف: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة».

ـــ أما نحن وقد اسودّت قلوب معظمنا اليوم، وابتعد معظمنا عن رب العالمين، فإن الأمطار ابتعدت عنا، وإذا صلينا صلاة الاستسقاء لم يستجب لدعائنا؛ لأن شروط الإجابة لم تتوافر فينا، وفي الحديث: «يرفع أحدكم يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟».

ـــ وواضح في شعر الشيخ زايد أن المدنيّة لم تغير من نفسه شيئاً، فكما رأيناه زار أوروبا ولما عاد ذهب يفتخر ببلده وبيئته البدوية وأهل بلده، هكذا رأيناه أيضاً ينتفع بما ساقت إليه المدنية الحديثة من تسهيلات، لكن من غير أن ينقص من إيمانه شيئاً، بأن المنعم هو الله والمسخّر هو الله، ولولا توفيق الله لما استطاع الإنسان الأوروبي أن يصنع إبرة، لذلك قال في ختام قصيدته:

وفق الله حسن سيرتنا

                  ويعل رب العرش يحمينا

ـــ فزايد الشاعر يظل هو زايد العربي المسلم، وزايد الوطني الغيور على دينه والغيور على بلده والغيور على شعبه وعرضه.

والشعر عند زايد وسيلة لنشر الفضائل، وتوصيل ما لا يستطيع النثر أن يوصله من مكارم الأخلاق إلى الناس، والشعر حسنه حسن وقبيحه قبيح، كما ورد في الحديث.

ـــ وبالمناسبة فإن الشيخ زايد، رحمه الله، استخدم أسلوب الدعاء والرجاء حتى في قصائده الغزلية، فما أكثر القصائد التي ذكر فيها: رعاك الله، ويعل داره، وسقى الله، ومنها هذه الأبيات:

1. رعاك الله يا ظبي العرامي

أمير والغواني لك رعيّة

2. يعل داره م المزن تشرب

غيث م المعبود يضفي به

3. سقى الله دارها يود نضيحه

كسا لمغيب ويسوي حيا بي

مما يعني أن الشيخ زايد، رحمه الله، كان يستحضر ربه في كل وقت، ويعبر عن صلته بربه مرة بالقول ومرة بالفعل، وكان ينسب إليه كل عمل نافع يقوم به، فكأن حاله حال ذلك العابد المتصوف الذي قال وهو يناجي ربه:

عباراتهم شتى وحسنك واحد

وكل إلى ذاك الجناب يشير

رحم الله زايد وأنزل عليه من سحائب رحمته ما هو أهلٌ له.

تعليقات

تعليقات