إخراج الزكاة في رمضان

اعتاد كثير من الناس إخراج زكواتهم في شهر رمضان، بوازع الإيمان، الذي يحملهم على المبادرة بالطاعة لإدراك عظيم أجرها في هذا الشهر الذي يكون الفرض فيه كسبعين فرضاً فيما سواه، ولأن المستحقين للزكاة تكثر حاجاتهم في هذا الشهر الكريم، فيقتضي ذلك من المزكين أن يعينوهم على حوائجهم حتى يتفرغوا للعبادة، ويشعروا بالمحبة، ويعيشوا في سلام ووئام مع إخوانهم المسلمين، وقد استحب العلماء توخي إخراجها في هذا الشهر؛ لإعانة المسلمين الصائمين كما كان سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه يفعل، فقد كان يقول للناس في شهر شعبان: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة».

والزكاة فريضة إسلامية قرن الله تعالى فرضيتها بالصلاة في نحو ثمانين آية؛ أمراً وحظاً وترغيباً وترهيباً كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ليكتمل بناء الإسلام، فإنه قد عدها ثالث أركانه حيث قال صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»، ومعنى كونه أحد بنائها أن من لم يؤدها فإن إسلامه لم يكتمل ما دام أنه من أهل الوجوب، أو لم يصح إسلامه إن هو أنكر وجوبها.

كما فعل الصديق رضي الله عنه مع منكريها، فإنه حاربهم حتى أذعنوا، والذي تجب عليه الزكاة وهو الذي يملك نصاباً زكوياً من النقود الذهبية أو الفضية أو العملات الورقية أو عروض التجارة أو بهيمة الأنعام أو الحبوب والثمار من التمر أو القمح المقتات عادة والمدخر، فإن هذه الأموال الزكوية جعل الله تعالى فيها نصيباً لعباده، وهو المقدر بربع العشر في النقود وعروض التجارة، أي 2.5% كل عام والأموال الأخرى لها أنصبة محددة ومقادير معينة لا يخفى تفصيلها، وجعل الله تعالى هذه الزكاة تزكية للنفس من الشح والبخل، وتنمية للمال وتطهيراً له.

كما سبحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، فهي تطهر النفس والمال كما يطهر الماء، ولذلك تسمى أوساخ المال، لأنها تطهره وتنميه، وتجعله مباركاً نافعاً، فلا يجوز للإنسان أن يشح بها بعد وجوبها فيمنع إخراجها أو يؤخرها؛ لأن الله تعالى انتزعها من مالك المال وأعطاها للمستحقين حقاً لازماً .

كما قال الله جل ذكره: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} فإن هو لم يؤد الواجب فيه فإنه يكون في خطر المؤاخذة الربانية التي حذر الله تعالى عباده منها بقوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} وذكر الذهب والفضة لأنها الأهم في الأموال، وإلا فإن غيرها كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه، وجبينه حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا بطح لها بقاع قرقر- أي مستوٍ- كأوفر ما كانت، تستن عليه -أي تمر- كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب غنم، لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر، كأوفر ما كانت فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء- يعني بقرونها وليست فاقدة لها - كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار».

وهذه هي فتنة المال التي حذر الله تعالى عباده منها بقوله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}، حيث كان سبب عذابه مع شقائه في جمعه لأجل الانتفاع به.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن تزكى بالأعمال والأقوال، وتقبلها منا الرحيم الرحمن.

 

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء بدبي

تعليقات

تعليقات