العقل والصحة

قال الشيخ زايد رحمه الله: «إن الله منحنا العقل والصحة ويجب أن نحسن استغلالهما ليرضى الله عنا ويبارك أعمالنا»، يحثنا القائد الراحل -طيّب الله ثراه- على استثمار العقل والصحة في السعي للعمل ورفعة الوطن ليرضى الله عنا، ويبارك لنا في أعمالنا.

إن مِنْ أفضل نِعَم الله على عباده نعْمةَ العقل، فلولا العقل لما عرَف الإنسان دينَ الإسلام والنبوة، ولما عرف كيف يخترع وكيف يبدع وكيف يطوّر من نفسه، ولم يعرف الخيرَ والشر، والحقَّ والباطل، والمعروفَ والمنكر، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)، فالله تعالى فضَّل بني آدم على غيرِهم منَ الجمادات، والحيوانات، والنباتات بهذا العقْل.. قال سبحانه مادحاً عبادَه أصحاب العقول السليمة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).

قال ابن كثير: أي العقول التامة الزكية، التي تُدرك الأشياء بحقائقِها على جلياتها، وليسوا كالصمِّ البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ). وقد ذمَّ الله تعالى أصحابَ العقول الغافلة عن دينها، فقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).

فإذا فَقَدَ الإنسان العقلَ السليم الذي يقوده إلى الخير، ويُبعده عن الشر، فقد أصبح كالبهيمة التي تأكل وتشرب ولا تعقل شيئاً، بل إنها خيْرٌ منه، كما في الآية الكريمة السابقة. روى الحاكم في «المستدرك»، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافَها»، أي: دنيئها وخسيسها. قال ابن حبان: وإنَّ محبة المرء المكارم من الأخلاق وكراهته سفسافها، هو نفس العقل، ولا مال أفضل منه، ولا يتمُّ دين أحد حتى يتم عقلُه، وهو من أفضل مواهب الله لعباده، وهو دواء القلوب، وزاد المجتهدين، وبذر حراثة الآخرة، وتاج المؤمنين في الدنيا، وعُدَّتهم في وقوع النوائب، ومن عَدَم العقل لم يزدْه المال قدراً.

والعقل شرط في معرفة العلوم، وفي الأعمال وصلاحها، وبه يكمل الدين والعمل، لكنه لا يمكن أن يستقل بذلك، حيث إنه غريزة في النفس وقوة فيها مثل قوة البصر، وحين يتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين حين يلاقي ضوء الشمس، فإن انفرد لم يستطع إدراك ما يعجز عنه وحده، ووجود العقل يشكل الأساس في معرفة العلوم وفي الأعمال وصلاحها، وبه يكمل الدين والعمل، فيرسخ في النفس المؤمنة ويكون بالنسبة لها كقوة البصر وحين يتصل به الإيمان كان كنور العين، ولذا اعتبر الإسلام العقل مناط التكليف.

إن تكريم الإسلام لعقل الإنسان ليس مدار شك عند من يحترم آدميته، ولا عبرة بقول السفهاء الذين يزعمون أن الإسلام بنصوصه المقدسة يلغي عقل الإنسان وقدرته على التفكير، فإن من تأمل النصوص الشرعية لوجد احترام العقل في الشريعة الإسلامية غير مسبوق على الإطلاق، ونستطيع أن نلمح ذلك في الكثير من النصوص والمواقف منها:

1. في ضوء الشريعة الإسلامية فإن العقل هو مناط التكليف، ويسقط التكليف عن الإنسان إذا غاب عقله لسبب خارج عن إرادته كالمرض وما شابه، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق أو يعقل، وعن الصبي حتى يحتلم»، أما إذا كان ذهاب العقل لسبب يرجع إلى الإنسان فإنه يتحمل مسؤولية التصرفات التي تصدر عنه كطلاق السكران.

2. تلفت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية إلى دور العقل في الاكتشافات التي يناط بها تيسير حياة الإنسان على وجه الأرض، وغني عن الذكر أن التفكّر في مخلوقات الله وفي بديع صنع الله يزيد في الإيمان ويسهم في تقوية صلة الإنسان بربه.

 

واعظ ديني في وزارة الداخلية

تعليقات

تعليقات